الأربعاء، 5 أكتوبر 2011

الطابور الصباحي . . قصة قصيرة


وقف في طابور المدرسة الصباحي بتلك الهيئة المعتادة لمديري المدرسة ، تلك النظارة الثقيلة و البدلة المعتادة ذات الصديري و التي يتغير لونها ما بين اللون البني و الرمادي و احياناً الكحلي ، وذلك الشعر الابيض ع جانبي الرأس و الصلع في المنتصف الذي يعكس ضوء الشمس في الظهيرة، وينفلت من بين فراغ اسنانه تلك الجمل باللغة العربية المُشَّكلة و المشددة ، فخطأ واحد في ضم او فتح احدى الكلمات يعده جُرم فادح لا يُغتَّفر لأنه مدرس لغة عربية عظيم و اصبح مدير لتلك المدرسة العريقة لكفائته ربما وربما ايضاَ لأن سنه يسمح له بذلك !

وها هو حديث الصباح اليومي عن انجازاته وتفوقه الخرافي المعتاد عندما كان عمره في مثل عمرنا وحديثه اليوم عن تفوقه في مادة اللغة الانجليزية !!
لم استطع ان امنع نفسي من التهكم عليه هذا ليس لادراكي باستخفافه بنا لأننا مازلنا صغار كما يعتقد و حسب ولكني كنت دوماً اطلق عليه " استاذ ساندوتش "
فهو لا يلتهم الطعام بشراهة كما يبدو من النعت ولكنها الاموال !!

يكفيك ان تُرسَل لك دعوة لحضور مجلس الاباء حتى تنبهر بمجموعة من خطابات التسول والاستعطاف لانقاذ مصير مدرسة عريقة و تطوير المنشأت و المعامل والحفاظ على سلامة الأبناء و الكثير و الكثير مما يشبه المتسولين الذين تدرك من النظرة الاولى انهم محتالون ليس لأن هيئتهم تفضحهم ولكن لأنهم اغبياء!

انه ليس اجتماع للحديث عن مشاكل الطلاب او مناقشة خطة لتطوير العملية التعليمية بالمدرسة او محاولة لتقويم سلوك الطلاب، انه اجتماع يحضره اولياء الامور ممن لديه القدرة على الدفع و في نفس الوقت يضمن لأبنه او لأبنته الخدمة الخمس نجوم ممن يعرف الوالد السخي ذو المكانة المرموقة...

اطلقت النكتة بكل اريحية وبملئ فمي و لسوء حظي " النحس " لم انتبه لمكاني بالصف الاول من الطابور فسمعتني احدى معلماتي فتسائلت عن صاحبة النكتة فتقدمت بكل ثقة ولعلها مصحوبة بفخر ايضاً "انا من قلت ذلك" لا ادري ما دفعني للتقدم بتلك السرعة و التلقائية هل لأني حقاً من قلت ذلك ام لأني ظننتها ستتعاطف معي بل ستضحك ايضاً لأنها تعرفه جيداً ؟؟!
نهرتني بشدة وزجت بي لآخر الطابور متوعدة بالشكوى له بكل ما قلت ولن تهدأ الا باستدعاء ولي امري لينظر نتاج تربيته ...

اجتمع حولي الكثير من الزميلات محاولين الدفاع عني و الاعتذار منها ومع بدء اول حصة في اليوم حتى سرى الامر وتردد اسمي بين الاساتذة وجميع طلاب المدرسة كما لو انه احدى مشاهد الافلام الابيض و الاسود عندما يهلل بائع الجرائد " اقرأ الحادثة اقرأ الحادثة ! ".

لم يرني احد في ذلك اليوم الا و سألني عما قلته ووبخني بشدة على هول الفعلة و انا انظر لهم بكل دهشة واجدني بكل تلقائية اقول لهم " لم اقل ذلك ، انكم تعرفوني جيداً مستحيل ان يصدر عني ذلك القول !! " واذا بي اتمسك بقولي واُكذب كل ما قيل وانعته بالافتراء علي !

دخل مدير المدرسة في احدى الحصص المتأخرة من ذلك اليوم و نادى على اسمي لأقف امام الطلاب ونهرني بشدة قائلاً " اللي يجيب سيرتي بسوء مالوش عندي الا الجزمة !! "

اشتعلت غضباً وسخطاً واذا بصوتي يرتفع واهدد كما ان التعبير اثار سخط زميلاتي هم الاخريات فوقفن مدافعن عني مكذبين الحدث تماماً مشيدين بأخلاقي وادبي الجم ...

عُدتُ الى البيت و انا ابكي كما لم ابكي يوماً في حياتي شاكية لأمي ما حدث فاذا بها تتوعد هي الأخرى بكل حدة وغضب.

انسحبت لغرفتي و انا افكر في كذبتي و اذكره حينما استدعاني في الاذاعة المدرسية السنة الماضية و عنفني بشدة جراء شكوى والد زميلتي _احد الحضور الدائمين بمجلس الاباء_ بتعرضي لأبنته فاذا بي اشمر له عن ذراعي لأريه الاثر الازرق لتلك العضة وتلك الكدمة الاخرى تحت عيني اليسرى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق