السبت، 19 مايو 2012

بــرد .. قصة قصيرة

أنهيت يومي الدراسي في مستشفى الشاطبي لكني لا أشعر برغبة في العودة إلى المنزل الآن، ربما بعض المشي يريحني.
منذ ان أبتعدت عن أصدقائي وأنا أشعر بالوحدة. لا ليس هذا هو اللأمر بالتحديد، ربما هو الشتاء ذلك الفصل الكئيب وشتاء هذه السنة شديد البرودة والكآبة معا وغزير الأمطار أيضا. لا يهمني إن ابتلت ملابسي بالمطر ولكن قدماي لا، لا أحتمل ذلك البلل، أشعر بعدم الإرتياح، أخرج قدمي بين الحين والآخر لأتحسس الشراب هل أصابه البلل أم هو مجرد احساس بالصقيع كجميع أطرافي الأخرى.
لا أشعر أبدا بالدفء إلا عند النوم. أظل طوال اليوم أنفخ في يدي ذلك البخار الساخن من فمي وأمسك كوب الشاي الدافئ بكلتا يدي لعلي أشعر بالدفء.
أرتدي دائما ذلك الشراب من الصوف ولكن لا فائدة أبدا. النوم هو الحل لأتخلص من هذا الإرتجاف ولكي تحظى جميع أطرافي بالدفء.

اليوم كسابقه، يوم سمائه رمادية داكنة ورياحه شديدة. تقذف بي إلى منتصف الطريق بالرغم من مقاومتي الشديدة لها.
أضحك كثيرا من نفسي لخفة وزني لدرجة أن الريح تتلاعب بي. أضحك أكثر عندما أتخيل أنه ربما يصادف تأرجحي هكذا إلى منتصف الطريق بعبور احدى السيارات التي تطيح بي هكذا وأكون ضحية هذا الوزن الذي طالما علق عليه كل من يراني
" أنتي رفيعة أوي مش هتطخني شوية "

أتمتم في تلك اللحظة ربما كان معهم حق في مثل هذا اليوم وربما يقع عليّ بعض اللوم لأني خففت ملابسي كثيرا كنوع من التمرد على ذلك الطقس الذي لا يحتمل.
تلك الملابس تعيقني عن الحركة، تقيدني، تجعلني أشعر بالإختناق.
لا يهمني إن أصابني بعض الزكام أو رقدت في السرير لبضعة أيام ولكن الأهم أن اتخفف من ذلك الثِقل ربما تهدأ نفسي قليلا وتستمتع بإستنشاق بعض الهواء البارد المحمل برذاذ المطر الخفيف.

دراستي للطب تكاد تصيبني بالجنون، لا ألبث أن ادرس أحد الأمراض حتى أطبق جميع الأعراض عليّ حتى وإن نقصت عَرَض أو عَرَضين ربما ذلك المرض في " فترة الحضانة " وسيظهر بقوة ويؤثر في بعد حين.
هذا بالضرورة يأخذني للتفكير في الموت.
ذلك المجهول الذي يمتص تفكيري بين الحين والآخر.
ذلك الحدث الذي نظنه يحدث للآخرين ولا يحدث لنا.
أخاف من أن يأخذ الموت من أحبهم. أخاف تشييعهم واحد تلو الآخر. لا أحتمل الفراق. تفتك بي تلك التفاصيل الصغيرة.
مازلت أذكر ضحكة خالي البشوشة وجلبابه الأبيض الناصع المكوي بعناية شديدة وذلك العطر الذي يستخدمه.
أستطيع ان أتعرف عليه من بين العشرات من العطور لأقول هذا عطر خالي المفضل.
يوم وفاته أيضا أكثروا من تطيبه بذلك العطر لأنه يحبه كثيرا.

أسأل نفسي هل للموت رائحة ؟
- للموت رائحة الفورمالين – أردد ساخرة
الطب يتسرب مرة أخرى لحنايا تفكيرنا ويشوه قدسية الموت.
أذكر تلك الأيام في السنة الأولى والثانية من إلتحاقي بتلك الكلية عندما كان يسألني أقاربي وأصدقائي
- أنتي بتشوفي الجثث؟
أجيب
- أيوة عادي يعني
- وما بتخافيش؟
- لأ، بحسهم زي المومياء، ما بحسش انهم عاديين زينا.

كم أشعر الآن بالسخف من نفسي. كيف تعاملنا مع هؤلاء الأموات بتلك القسوة والبرود؟

كيف جرأنا أن نضحك ونتصور بجانب أعضائهم المتناثرة هنا وهناك؟ كيف خلدنا لأنفسنا ذكريات مرحة في حضرة ذلك الطقس الذي يتسم بالقداسة؟
الكثير من تلك الأسئلة التي لا نخرج منها بطائل !
هل هم يرونا الآن؟ هل يشعرون بتلك الإهانة؟ ترى هل يظنون إننا نقوم بعمل عظيم؟
هل ينفي جثمانهم المحنط هكذا ماهو معروف من عذاب القبر ؟!
ترى هل يدندن أحدهم في عالمه الآخر مثلي الآن أغنية محمد منير

" إيديا في جيوبي وقلبي طرب، سارح في غربة بس مش مغترب، وحدي لكن ونسان وماشي كده، ببتعد ما أعرفش أو بقترب "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق