الاثنين، 17 أبريل 2017

أبي طويل الساقين / صاحب الظل الطويل

" على الأقل يعتبر الحنين إلى البيت من الأمراض التي استطعت تجنبها، فأنا لم أشعر من قبل عن شخص شعر بالحنين إلى الملجأ " ....

" الشيء الوحيد الذي يعيب الدراسة في الكليات هو أنه من المفترض أن تعرف كل شيء، هذا يؤدي إلى ارتباكي في بعض الأحيان " ....

" هل تعلم يا أبي أن اللعب هو الذي يشق علي وليس العمل. فأنا لا أفهم نصف الوقت ما تتكلم عنه البنات، فنكاتهن تبدو كأنها تتعلق بماضٍ شاركت كل منهن فيه بنصيب ما عداي. إنني غريبة عن هذا العالم ولا أفهم لغته " ....

"وضعت لنفسي قاعدة، هي أن لا استذكر دروسي ليلا مهما كانت مطلوبة وملحة. بدلا من ذلك، سأقرأ كتبا خفيفة. أنا مضطرة لذلك لأنه يوجد خلفي ثمانية عشر عاما بيضاء. إنك قد لا تصدق يا والدي أن عقلي يسبح في بحر من الجهل " ....

" أردت هذه الليلة أن أكتب لك خطابا لطيفا مبهجا مسليا، لكن النوم يغالبني، كذلك ينتابني شعور جارف من الخوف. فالمستجدون دائما في خوف مقيم " ....

" دونما أشعر تنطلق الكلمات من فمي سريعا عندما أشعر بالدهشة. والدهشة تتملكني طوال الوقت. إنها تجربة مذهلة يا والدي أن تقضي ثمانية عشرة سنة في الملجأ ثم فجأة تجد من يدفعك قسراً لتواجه العالم " ....

" إنني في الحقيقة وحيدة وظهري ملتصق بالحائط، أحارب العالم كله، وأشعر بأن أنفاسي تقصر وأعاني اللهاث عندما أفكر في هذا " ....

" أعتقد أن كل شخص يجب أن تتوفر له طفولة سعيدة مهما كان مقدرا عليه أن يواجه الصعاب والمتاعب عندما يكبر، وذلك لكي يرجع بذكراه إليها ويجد السلوى فيها. إن كان حظي أن أنجب أطفالا في يوم من الأيام فإنني لن أدعهم يهتمون لشيء حتى يكبروا ويواجهوا الحياة بأنفسهم." ....

" يخيل إلي أن أي انسان يمكنه أن يتمسك بآرائه طوال سبع وأربعين سنة بدون أدنى تغيير، يجب أن يحفظ في متحف خاص كشيء مثير للفضول " ....

عندما تعتاد على أشخاص معينين أو حتى أماكن أو طرق معينة للحياة ثم تنتزع منك انتزاعا فإن هذا يترك مكانها إحساسا فظيعا مؤلما " ....

" لكي تجعل شخصا ما يتصرف بشكل منطقي فهناك طريقتان لا ثالثة لهما؛ إما أن تتملقه أو أن تكون غير ودي في معاملته. أنا أكره التملق لأحصل على ما أريد لذا أنا مضطرة اضطرارا إلى أن أكون غير لطيفة في معاملاتي معك " ....

" أعتقد أن ما يهم الانسان ليست الأفراح الكبرى لكن المسرات والمتع الصغيرة التي تصنع الشيء الكثير، لقد اكتشفت السر الحقيقي للسعادة يا والدي؛ وهو أن تعيش من الآن وتهتم فقط باللحظة الحاضرة. لا تندم على الماضي أو تعمل حسابا للمستقبل، لكن عليك أن تحصل على أكثر ما تستطيع من هذه اللحظة الحاضرة التي تعيش فيها. سأحاول أن أسعد بكل ثانية في حياتي؛ وسأعرف أنني أتمتع بها أثناء تمتعي بها فعلا. إن معظم الناس لا يعيشون، إنهم يتسابقون ويجرون، إنهم يحاولون الوصول إلى هدف يلوح بعيدا في الأفق، ومن خلال الجري ولهاث الأنفاس يفقدون كل قدرة على الرؤية الصحيحة للأرض الجميلة الهادئة التي يمرقون خلالها؛ ثم بعد ذلك فإن أول شيء يدركونه ويحسون به فعلا هو أنهم يلغوا أرذل العمر وأن التعب قد أضناهم ولا يهم بعد ذلك إذا كانوا قد بلغوا أهدافهم أم لا. إنني قررت أن أجلس وأتمهل في الطريق وأنهمك في جمع وتكويم نتف من المتع الصغيرة حتى ولو لم أصبح كاتبة كبيرة" ....

" إن الحياة في أحسن أحوالها تعتبر فظيعة، فأنت مضطر إلى أن تأكل وتشرب وتنام، لكن تخيل كم تبلغ فظاعتها إذا لم يحدث لك شيء غير متوقع بين وجبات طعامك" ....

" الإنسان لا يفتقد الأشياء التي لم يمتلكها من قبل أبدا، لكنه من الصعب عليه أن يعيش بدون الأشياء الذي يؤمن بأنها ملكه بموجب حقوقه الطبيعية. وتعتبر معيشتي مع سالي وجوليا عبئا رهيبا في فلسفتي اللامبالية، فإنهما تملكان منذ كانتا طفلتين صغيرتين؛ هما تتقبلان السعادة والتمته كأمر مفروغ منه؛ وتعتقدان ان العالم يدين لهما بكل شيء ترغبان فيه. ربما كان العالم فعلا مدينا لهما بكل شيء؛ وهو يعلم هذا ويسدد دينه بكل رحابة صدر وسرور. أما بالنسبة لي فهو ليس مدينا بشيء. وقد أخبرني بذلك منذ البدايةوبشكل حازم وباتٍ. لذا فليس من حقي أن أقترض منه على الحساب لأنه سيأتي الوقت الذي سينكر فيه إدعائتي ومطالبي " ....

" ألا تعتقد أنه من المسلي ان يتيسر لك أن تطلع على تاريخ حياتك مكتوبا بطريقة متقنة يشع من ثناياها الصدق بيد كاتب ماهر عليم بكل خفايا حياتك؟ ولو فرض واستطعت أن تقرأه، فإنك بالطبع لن تنسى شيئا وسوف تواصل حياتك وأنت تعلم مقدما نتيجة كل فعل تصنعه، كذلك سوف يتسنى لك أن تعرف الساعة والدقيقة التي يحل فيها أجلك. من هم في رأيك الذين يمكنهم التغلب على فضولهم بما فيه الكفاية ليمتنعوا عن قراءة تاريخ حياتهم؟ ومن هم الذين تتملكهم الشجاعة الكافية لفعل ذلك؛ علما بأنهم معرضون لأن يعيشوا حياتهم بلا أمل او مفاجآت ؟ " ....

" كم وددت لو عرفتك، حينئذ عندما نشعر بالتعاسة فإنه بإمكاننا أن نعزي بعضنا بعضا " ....

" نحن نشعر سويا وفي نفس اللحظة أن هذا وذاك مضحك، هذا يعتبر في رأيي كافياً لأنني أعتقد أنه من الفظاعة أن لا يتفق شعور اثنين تجاه الإحساس بالفكاهة والمرح هو أيضا " ....



الخميس، 1 أكتوبر 2015

" بيدرو بارامو " .. خوان رولفو


" منذ سنوات عديدة لم أرفع وجهي، حتى اني نسيت السماء. ولو أني فعلت ذلك. فما الذي سأكسبه ؟ فالسماء عالية جدا وعيناي ضعيفتان، وكنت أعيش سعيدة لأني أعرف أين هي الأرض. وعلاوة على ذلك فقد فقدت كل اهتمام بالسماء منذ أكد لي الأب رينتيريا بأنني لن أعرف الجنة أبدا. بل ولن أستطيع حتى رؤيتها من بعيد. كان هذا بسبب خطاياي. ولكن ما كان عليه أن يقول لي ذلك، فالحياة تعاش بالأعمال والأمر الوحيد الذي يمكّن احدانا من تحريك قدميها هو الأمل بان ينقلوها بعد الممات من مكان إلى أخر. ولكن عندما يغلقون أمامها باباً ولا تبقى مفتوحة إلا بوابة الجحيم فخير لها لو انها لم تولد.
إن السماء يا خوان بريثيادو هو هنا حيث أنا الآن.

- وروحك أين تظنين أنها ذهبت ؟

- لأبد انها تهيم على الأرض مثل أرواح كثيرة اخرى، تبحث عن أحياء ليصلّوا من اجلها. ربما إنها تكرهني للمعاملة السيئة التي عاملتها بها، ولكن هذا لا يقلقني. لقد استرحت من عادتها الذميمة بالتأنيب. فقد كانت تملأ بالمرارة حتى القليل مما كنت اكله، وتجعل ليالي لا تطاق وهي تملؤها بأفكار مقلقة عن صور لمحكومين بالعذاب الأبدي وأشياء من هذا القبيل. وعندما رقدت لأموت رجتني أن أنهض واتابع جرجرة الحياة وكأنها ما تزال تنتظر معجزة ما تنظف خطاياي. لكنني لم اكبد نفسي ولو مشقة المحاولة. وقلت لها : “ هنا انتهت الطريق. وما عادت لدي قوة للمزيد ”
وفتحت فمي لتخرج منه ومضت، وأحسست بخيط الدم الذي كانت ترتبط به إلى قلبي وهو يسقط من يدي "

الأحد، 24 مايو 2015

يوسا .. لماذا نقرأ الأدب ؟

ترجمة : راضي الشمري
مراجعة : فيصل الحبيني

لماذا نقرأ الأدب؟
----
دائمًا ما يأتيني شخص حينما أكون في معرض كتاب أو مكتبة، ويسألني توقيعًا. إما لزوجته أو ابنته أو أمه أو غيرهم، ويتعذر بالقول بأنها ” قارئة رائعة ومحبة للأدب”. وعلى الفور أسأله: “وماذا عنك؟ ألا تحب القراءة؟”، وغالبًا ماتكون الإجابة: “بالطبع أحب القراءة، لكني شخص مشغول طوال الوقت.”.
سمعت هذا التعبير عدة مرّات، هذا الشخص وبالطبع الآلاف منهم لديهم أشياء مهمة ليفعلوها، التزامات كثيرة ومسؤوليات أكثر في الحياة، لذلك لايستطيعون إضاعة وقتهم الثمين بقراءة رواية، أو ديوان شعر، أو مقال أدبي لساعات. استنادًا إلى هذا المفهوم الواسع، قراءة الأدب هي نشاط كمالي يمكن الاستغناء عنه، لاشك بأنه يهذب النفس ويزودها بالأخلاق الحميدة وبالإحساس بمن حولها، لكنه في الأساس ترفيه، ترف للأشخاص الذين يملكون وقت فراغ. هو شيء يمكن وضعه بين الرياضات أو الأفلام أو لعبة شطرنج؛ وهو نشاط يمكن أن نضحي به دون تردد حينما نرتب “أولوياتنا” من المهام والواجبات التي لايمكن الاستغناء عنها في سعينا الحياتي الشاق.
يبدو بشكل واضح أن الأدب شيئًا فشيئًا يتحول إلى نشاط نسوي. في المكتبات، وفي المؤتمرات الخاصة بالكتّاب، وحتى في كليّات العلوم الإنسانية، نرى بوضوح أن النساء أكثر من الرجال. وهذا الأمر يُفسَّر عادةً أن نساء الطبقة المتوسطة يقرأن أكثر لأنهن يعملن لساعاتٍ أقل، لذلك يستطيع العديد منهن تخصيص وقت أكثر من الرجال لقراءة الكتب التخييلية والتفرغ للوهم. وأنا – بشكل ما – أتحسس من التفسيرات التي تفصل النساء والرجال بتصنيفات جامدة، وتنزع لكل من الجنسين طبعه الخاص ونتائج تترتب من هذه الطباع. لكن مما لا شك فيه أن قراء الأدب في تناقص، وأن غالبية الباقين من القراء هن نساء.
هذا الأمر يحدث في كل مكان تقريبًا، في إسبانيا – على سبيل المثال – كشفت إحصائية حديثة أقامها اتحاد الكتاب الإسبان أن نصف السكان لم يقرأوا كتابًا من قبل. وكشفت أيضًا أن ضمن الأقلية التي تقرأ، النساء اللاتي يقرأن يتعدين الرجال بنحو 6.2%، وهذا الفارق يزداد مع الوقت. أنا سعيد من أجل أولئك النسوة، لكني أشعر بالأسف للرجال، وللملايين ممن يستطيعون القراءة لكنهم اختاروا أن لايقرأوا.
هم يستحقون الشفقة ليس فقط لأنهم يجهلون المتعة التي تفوتهم، بل أيضًا لأني مقتنع بأن مجتمعًا بلا أدب أو مجتمعًا يرمي بالأدب – كخطيئة خفيَّة – إلى حدود الحياة الشخصية والإجتماعية هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته. أود أن أطرح تفنيدات لفكرة أن الأدب نشاط للمترفين، وعرضه كنشاط لايستغنى عنه لتشكيل المواطنين في مجتمع حديث وديمقراطي، مجتمع مواطنين أحرار.
نحن نعيش في عصر تخصص المعرفة، وذلك بفضل التطور الهائل للعلوم والتكنولوجيا، وبفضل تقسيم المعرفة إلى وحدات صغيرة وعديدة. وهذا الاتجاه الثقافي سيستمر بالنمو لسنوات قادمة. للتأكيد، فإن التخصص له منافع عديدة. فهو يسمح باكتشاف أعمق وتجارب أعظم وأكبر، وهو محرك التقدم. غير أن له أيضًا عواقبه السلبية. فهو يمحي الصفات الفكرية والثقافية بين الرجال والنساء، والتي تسمح لهم بالتعايش، والتواصل، والإحساس بالتضامن فيما بينهم. التخصص يؤدي إلى نقص في الفهم الاجتماعي، يؤدي إلى تقسيم البشر إلى جيتو1 من التقنيين والأخصائيين. إن تخصيص المعرفة يتطلب بالتالي لغة دقيقة ورموزًا تزداد غموضة كل مرة. وبالتالي، فإن المعلومة تصبح أكثر انفرادية وتشتتًا. هذا هو التخصيص والتقسيم الذي كان يحذرنا منه المثل القديم: “لاتركز كثيرًا على غصن أو ورقة، وتنسى أنهما جزء من شجرة. ولاتركز على الشجرة فتنسى أنها جزء من غابة”. الوعي بوجود الغابة يخلق شعورًا بالجماعة، شعور الانتماء، ذلك الذي يربط المجتمع ببعضه ويمنع تفككه إلى عدد لايحصى من الأجزاء بسبب هوس الخصوصية الأناني بالنفس. هوس الأمم والأشخاص بأنفسهم لم يخلق إلا الارتياب وجنون العظمة، وتشويهًا في الواقع هو مايولّد الكراهية، الحروب، وحتى الإبادات الجماعية.
في عصرنا الحالي، لايمكن للعلم والتكنولوجيا أن يكمل بعضهما الآخر. وذلك للثراء اللامتناهي من المعرفة وسرعة تطورها، والذي قادنا إلى التخصصات وغموضها. لكن لطالما كان الأدب وسيبقى واحدًا من القواسم المشتركة لدى التجربة البشرية، والتي يتعرف البشر من خلاله على أنفسهم والآخرين بغض النظر عن اختلاف وظائفهم، خطط حياتهم، أماكنهم الجغرافية والثقافية، أو حتى ظروفهم الشخصية. استطاع الأدب أن يساعد الأفراد على تجاوز التاريخ، كقرَّاء لثرفانتس، شكسبير، دانتي، وتولستوي. نحن نفهم بعضنا عبر الزمان والمكان، ونشعر بأنفسنا ننتمي لذات النوعية، لأن من خلال الأعمال التي كتبوها، نحن نتعلم مانتشاركه كبشر، وماالذي يبقى شائعًا فينا تحت كل الفروقات التي تفصلنا.
لاشيء يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب والفصل الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي تظهر دائمًا في الأدب العظيم: أن الرجال والنساء من كل الأمم متساوون بشكل أساسي، وأن الظلم بينهم هو مايزرع التفرقة والخوف والاستغلال.
لايوجد من يعلمنا أفضل من الأدب أننا نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري، ولايوجد ماهو مثل الأدب لكي يجعلنا نكافئ ونمجد فروقنا بوصفها مظهرًا من مظاهر الإبداع الإنساني متعدد الأوجه. قراءة الأدب الجيد هو مصدر للمتعة بطبيعة الحال، ولكنه أيضًا تجربة لنعرف من نحن وكيف نكون، بعيوبنا وبنقصنا، من أفعالنا وأحلامنا وأشباحنا، وحيدين وفي العلاقات التي تربطنا مع الآخرين، في صورتنا العامة الظاهرة لدى الآخرين أو في تجاويف وعينا السرية.
هذا المجموع المعقد من الحقائق المتعارضة – كما يصفها أشعيا برلين – تشكل جوهرًا للحالة الإنسانية. في عالم اليوم، هذا المجموع الضخم والحي من المعرفة في الإنسان لايوجد إلا في الأدب. لم تستطع حتى فروع العلوم الإنسانية الأخرى – كالفلسفة أو الفنون أو العلوم الاجتماعية – أن تحفظ هذه الرؤية المتكاملة والخطاب الموَحَّد. العلوم الإنسانية خضعت أيضًا لتقسيم التخصصات السرطاني، وعزلت تلك التخصصات نفسها في أقسام مجزأة وتقنية بأفكار ومفرديات لايستوعبها الشخص العادي. بعض النقاد والمنظرين يودون تحويل الأدب إلى علم، وهذا ما لن يحصل أبدًا، لأن الكتابة التخيلية لم توجد لتبحث في منطقة واحدة من تجربة الإنسان. وُجدت الكتابة لكي تثري الحياة البشرية بأكملها من خلال الخيال، والتي لايمكن تفكيكها، أو تجزئتها إلى عددٍ من المخططات أو القوانين دون أن تضمحل. هذا هو معنى ملاحظة بروست حينما قال أن “الحياة الواقعية، هي آخر مايكتشف وينوَّر. وأن الحياة الوحيدة التي تعاش بكاملها، هي الأدب”.
بروست لم يكن يبالغ، أو يعبر عن حبه لما يجيد. هو كان يقدم قناعته الخاصة بأن الأدب يساعد على فهم الحياة وعيشها بطريقة أفضل. وأن العيش بطريقة أقرب للكمال يتطلب وجود الآخرين بجانبك ومشاركتهم الحياة.
هذا الرابط الأخوي، الذي ينشأ بين البشر بسبب الأدب، يجبرهم على التحاور ويوعيهم بالأصل المشترك وبهدفهم المشترك، وبالتالي فهو يمحي جميع الحواجز التاريخية. الأدب ينقلنا إلى الماضي، إلى من كان في العصور الماضية قد خطط، استمتع، وحلم بتلك النصوص التي وصلت لنا، تلك النصوص التي تجعلنا أيضًا نستمتع ونحلم. الشعور بالانتماء لهذه التجربة البشرية التراكمية عبر الزمان والمكان هو أعظم إنجاز للثقافة، ولاشيء يساهم في تجددها كل جيل إلا الأدب.
كان بورخيس ينزعج كثيرًا كلما سُئل “ماهي فائدة الأدب؟”. كان يبدو له هذا السؤال غبيًا لدرجة أنه يود أن يجاوب بأنه “لاأحد يسأل عن فائدة تغريد الكناري، أو منظر غروب شمس جميل.”. إذا وُجد الجمال، وإذا استطاع هؤلاء ولو للحظة أن يجعلوا هذا العالم أقل قبحًا وحزنًا، أليس من السخف أن نبحث عن مبرر عملي؟ لكن السؤال جيد بالفعل. لأن الروايات والأشعار لا تشبه بأي حال تغريد الكناري أو منظر الغروب، هي لم توجد عن طريق الطبيعة أو المصادفة، هي إبداعات بشرية. ولذلك فمن اللائق أن نسأل كيف ولماذا أتت إلى العالم، مافائدتها ولماذا بقت كل هذه المدة.
تأتي الأعمال الأدبية – في البداية كأشباح بلا شكل – أثناء لحظة حميمية في وعي الكاتب، ويسقط العمل في تلك اللحظة بقوة مشتركة بين كل من وعي الكاتب، وإحساسه بالعالم من حوله، ومشاعره في ذات الوقت. وهي ذاتها تلك الأمور التي يتعامل معها الشاعر أو السارد في صراعه مع الكلمات لينتج بشكل تدريجي شكل النص، إيقاعه، حركته وحياته. حياة مصطنعة، وللتأكيد، هي حياة مُتخَيلة، صنعت من اللغة، وحتى الآن يسعى الرجال والنساء لتلك الحياة، بعضهم بشكل متكرر، والبعض الآخر بشكل متقطع، وذلك لأنهم يرون أن الحياة الواقعية لاترقى لهم، وغير قادرة على تقديم مايريدون. لاينشأ الأدب من خلال عمل فردٍ واحد، بل يوجد حينما يتبناه الآخرون ويصبح جزءًا من الحياة الإجتماعية عندما يتحول، وبفضل القراءة، إلى تجربة مشتركة.
أحد منافع الأدب للشخص في المقام الأول تكمن في اللغة. المجتمع الذي لايملك أدبًا مكتوبًا يعبر عن نفسه بدقة أقل، وأقل وضوحًا من مجتمع يحمي طريقة التواصل الرئيسية له، وهي الكلمة، بتحسينها وتثبيتها عن طريق الأعمال الأدبية. إنسانية بلا قراءة، ولايصاحبها الأدب ستنتج ماهو أشبه بمجتمع صم وبكم، ناقص الفهم وذلك لعلته اللغوية. وسيعاني من مشاكل هائلة في التواصل نظرًا للغته البدائية. وهذا يقع على مستوى الأفراد أيضًا، فالشخص الذي لايقرأ، أو يقرأ قليلًا، أو يقرأ كتبًا سيئة، سيكون لديه عائق: ستجده يتحدث كثيرًا ولكن المفهوم قليل، لأن مفرداته ضعيفة في التعبير عن الذات.
وهذا الأمر لا يعني وجود قيد لفظي فقط، ولكن أيضًا وجود قيد في الخيال والتفكير. هو فقر فكري لسبب بسيط، لأن الأفكار والتصورات التي يمكن من خلالها فهم حالاتنا لايمكن لها التكون خارج الكلمات. نحن نتعلم كيف نتحدث بعمق وبدقة وبمهارة من الأدب الجيد. لن يجدي أي انضباط آخر في أي فرع من فروع الفن ماعدا الأدب في صناعة اللغة التي نتواصل بها. أن نتحدث جيدًا، أن يكون تحت تصرفنا لغة ثرية ومنوعة، أن نجد التعبير الملائم لكل فكرة ولكل شعور نود أن نتواصل به، يعني بالضرورة أن تكون جاهزًا للتفكير، أن تُعلم، أن تتعلم، أن تناقش، وأيضًا لأن تتخيل وتحلم وتشعر. بطريقة خفية، تردد الكلمات صداها في جميع أفعالنا، حتى تلك الأفعال التي لايمكن أن نعبر عنها. وكلما تطورت اللغة، وذلك بفضل الأدب، ووصلت لمستويات عالية من الصقل والأخلاق، زادت من مقدرة الإنسان على عيش حياة أفضل.
عمل الأدب حتى على صبغ الحب والرغبة والجنس بصبغة الإبداع الفني. لم يكن الشبق ليوجد بدون الأدب. الحب والمتعة سيكونان أسوأ بحيث ينقصهما الرقة والروعة. سيفشلان في تحقيق الحالة القصوى التي يمنحها الأدب. لذلك فإني لا أبالغ حينما أقول أن الثنائي الذي يقرأ لغارثيلاسو، بترارك، جونجورا أو بودلير يقدران المتعة ويعيشانها بخلاف الثنائي الذي صار أبلهًا بمشاهدة الأوبرا الصابونية2 في التلفاز. في عالمٍ أمي، لن يتعدى الحب والرغبة ماترضى به الحيوانات، كما أنها لن تتجاوز الوفاء بالأساسي من الغرائز.
وبطبيعة الحال، لايمكن لوسائل الإعلام السمعية والبصرية أن تعلم الناس كيف يستخدمون الإمكانيات الهائلة للغة بمهارة وثقة. على النقيض من ذلك، تعمل وسائل الإعلام على الحط من قدر الكلمة إلى منزلة أقل بجانب الصورة، والتي تعد اللغة البدائية لتلك الوسائط، وتعمل أيضًا على تقييد اللغة بالتعبير الشفوي إلى الحد الذي لايمكن الاستغناء عنه بعيدًا عن البُعد الكتابي للغة. أن تصف فيلمًا أو برنامجًا تلفزيونيًا بالأدبي فهذه مجرد طريقة لبقة عوضًا عن وصفه بالممل. لهذا السبب، من النادر أن نرى العامة ينجذبون لمثل هذه البرامج. وحسب ماأعرف، فإن الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو برنامج بيرنارد بيفوت3 “فواصل عليا” في فرنسا. وهذا يقودني إلى الاعتقاد بأن الأدب ليس فقط متطلَّبًا لمعرفة كاملة باللغة واستخدام أكمل لها، بل أن مصيرها مرتبط بشكل لاينفصل بمصير الكتاب، ذلك المنتج الصناعي الذي يعتبره الكثيرون بأنه قد عفا عليه الزمن.
هذا الحديث يقودني إلى بيل جيتس، كان في مدريد منذ فترة ليست بالطويلة وزار الأكاديمية الملكية الإسبانية، والتي قد عقدت شراكة مع مايكروسوفت. ضمن أشياء أخرى، طمأن جيتس أعضاء الأكاديمية وأكد بأن الحرف “fl” لن يحذف من برامج الحاسب، كان ذلك الوعد يكفل لأربعمائة مليون متحدث بالإسبانية أن يتنفسوا الصعداء بما أن حذف حرف أساسي مثل هذا سيؤدي إلى مشاكل كبرى. على كل حال، بعد تنازله الودي للغة الإسبانية، أعلن جيتس قبل أن يغادر مقر الأكاديمية في مؤتمر صحفي أنه يتوقع تحقيق حلمه الأكبر قبل أن يموت، وهو وضع حد للورق، ومن ثم للكتب.
يرى جيتس بأن الكتب هي أشياءٌ عفا عليها الزمن. وقال بأن شاشات الكمبيوتر قادرة على القيام بمهمات الورق الذي يستطيع عملها. أصر أيضًا أنه بالإضافة إلى كونها أقل مشقة، فشاشات الكمبيوتر تأخذ مساحة أقل، وهي أسهل للتنقل، وأيضًا بأن نقل الأخبار والآداب إلى هذه الشاشات سيكون له فائدة بيئية لإيقاف تدمير الغابات، وأن صناعة الورق هي أحد أسباب التدمير. أكد أيضًا بأن الناس سيستمرون بالقراءة، لكن على شاشات الكمبيوتر، وبالتالي سيكون هناك المزيد من الكلوروفيل في البيئة.
لم أكن حاضرًا خلال خطاب جيتس، وعلمت بكل هذه التفاصيل عن طريق الصحافة. ولو كنت هناك، لأعلنت استهجاني لجيتس كونه قد أعلن بوقاحة نيته إرسالي أنا وزملائي الكتّاب إلى خط البطالة. ولكنت تنازعت معه بقوة بخصوص تحليله. هل تستطيع الشاشة حقًا استبدال الكتاب من جميع الجوانب؟ أنا لست متأكدًا. أنا واعٍ تمامًا للتطور الهائل الذي سببته التكنولوجيا الجديدة في مجال الاتصالات وتبادل المعلومات، وأعترف بأن الانترنت يؤدي لي مساعدة لا تقدر بثمن كل يوم في عملي؛ لكن امتناني لهذه الراحة لايتضمن اعتقادًا بأنه يمكن للشاشات الإلكترونية أن تستبدل الورق، أو أن القراءة بالكمبيوتر يمكن أن تفي للقراءة الأدبية. هذه فجوة لاأستطيع تخطيها. لاأستطيع قبول فكرة أن تحقق القراءة غير الوظيفية، التي لانبحث بها عن معلومة أو تواصل سريع، توفر نفس تلك الأحلام ومتعة قراءة الكلمات مع نفس الإحساس بالحميمية، ومع نفس التركيز العقلي والعزلة الروحية التي يمنحها الكتاب.
ربما يصدر تحيزي هذا لكوني لم أمارس القراءة الالكترونية، وكوني تعاملت بعلاقة أدبية طويلة مع الكتب والورق. لكني على الرغم من أني أستمتع بتصفح أخبار العالم من خلال الانترنت، لايمكن أن أذهب للشاشة لكي أقرأ شعرًا لجونجورا، رواية لأونيتي أو مقال لباز، لأنني موقن بأن أثر تلك القراءة لن يكون مثل القراءة بالورق. أنا مقتنع، بالرغم من أني لاأستطيع إثبات ذلك، بأن مع اختفاء الورق سيعاني الأدب من ضربة مهولة، وربما مميتة. كلمة “أدب” لن تختفي بالطبع، لكنها ستدل على نصوص هي بعيدة عما نسميه أدبًا هذه الأيام، كبعد الأوبرا الصابونية عن مسرحيات سوفوكليس وشكسبير.
لايزال هناك سببٌ آخر لمنح الأدب منزلته الهامة في حياة الأمم. بدون الأدب، سيعاني العقل النقدي، وهو المحرك الحقيقي للتغيير التاريخي والحامي الأقوى للحرية، من خسارة لاتعوض. هذا بسبب أن الأدب الجيد كله متطرف، ويطرح أسئلة حادة عن العالم الذي نعيشه. في كل النصوص الأدبية العظيمة، وغالبًا دون قصدٍ من الكتّاب، توجد نزعة تحريضية.
الأدب لايقول شيئًا لمن هم راضون بما لديهم، لمن يرون الحياة بما يعيشونها الآن. الأدب هو قوت الروح المتمردة، هو إعلان عدم الانقياد، هو ملجأ لمن لديهم القليل جدًا أو الكثير جدًا في الحياة. الشخص منا يبحث عن ملاذه في الأدب حتى لا يكون هادئًا ومطمئنًا. أن تركب جنبًا إلى جنب مع ذلك السائس الهزيل وذلك الفارس المرتبك في حقول لامانشا، أن تبحر على ظهر حوت مع الكابتن آيهاب، أن تشرب الزرنيخ مع إيما بوفاري، أن تتحول إلى حشرة مع غريغور سامسا، هذه كلها طرقٌ اخترعناها لنجرد أنفسنا من أخطاء وإملاءات هذه الحياة الظالمة، هذه الحياة التي تجبرنا دائمًا أن نكون الشخص نفسه بينما نتمنى أن نكون مختلفين لكي نرضي رغباتنا التي تتملكنا.
يهدئ الأدب هذا الاستياء الحيوي للحظات، لكن في هذه اللحظات الخارقة، في هذا التعليق المؤقت للحياة، هذا التوهيم الأدبي ينقلنا لخارج التاريخ، ونصبح مواطنين لأرض لا تنتمي للزمان، وبالتالي هي أرض خالدة. فنصبح أكثر حساسية، وثراء، وأكثر تعقيدًا وسعادة، وأكثر وضوحًا مما نحن عليه في حياتنا الرتيبة. عندما نغلق الكتاب ونتخلى عن الخيال الأدبي، نعود إلى وجودنا الفعلي ونقارنه بالأرض المذهلة التي غادرناها توًا. وياللخيبة التي تنتظرنا! لكن هناك إدراكًا هائلًا ينتظرنا، وهي أن الحياة المتخيَّلة من الرواية أجمل وأكثر تنوعًا، أكثر فهمًا وأقرب للكمال من الحياة التي نعيشها ونحن واعون، تلك الحياة التي تحدها الظروف وضجر الواقع. بهذه الطريقة، نرى الأدب الجيد الحقيقي دائمًا كهدام، كمتمرد، كمقاوم، هو تحدٍ لما هو موجود.
كيف لايمكن أن نشعر بالخداع بعد قراءة “الحرب والسلام” أو “البحث عن الزمن المفقود” ونعود إلى عالمنا ذو التفاصيل التافهة، عالم مليء بالحدود وبالموانع التي تقف بانتظارنا في كل مكان وفي كل خطوة لتفسد خيالنا؟ فوق مهمته لاستمرارية الثقافة ولإثراء اللغة، أكبر مساهمة للأدب في التقدم البشري (دون قصد، وفي معظم الحالات) هي تذكيرنا بأن العالم جُعل سيئًا، وأن من يدعي العكس من الأقوياء والمحظوظين يكذب، وأن الكلمة يمكن أن تُطوَّر وتكون أقرب للعوالم التي يستطيع خيالنا ولغتنا تشييدها. المجتمع الحر والديمقراطي يجب أن يحتوي مواطنين واعين بالحاجة المستمرة للكلمات التي نعيشها ونحاول – بالرغم من أن المحاولة تكاد تكون مستحيلة – أن نجعلها تشبه العالم الذي نود أن نعيشه. وليس هناك من وسيلة أفضل من قراءة الأدب الجيد لإثارة عدم الرضا عما يوجد، وتكوين مواطنين ناقدين ومستقلين عمن يحكمهم، ويمتلكون روحية دائمة وخيالًا نابضًا.
مع ذلك، أن يُسمى الأدب بالتحريض لأنه يحسس وعي المواطن لعيوب العالم لا يعني بالضرورة – كما يبدو أن الحكومات والكنائس تفكر، ولذلك أنشأت الرقابة – أن النصوص الأدبية ستثير اضطرابات اجتماعية أو تسرع نشوء ثورات. لايمكن التنبؤ بالتأثير الاجتماعي والسياسي لقصيدة أو رواية أو مسرحية، لأنها لم تصنع بشكل جماعي من عدة خبراء. تصنع هذه الأعمال من قِبل أفراد وتُقرأ من قِبل أفراد ممن تختلف استنتاجاتهم بشكل كبير عندما يكتبون أو يقرأون. لذلك من الصعب، بل من المستحيل، أن تنتج أنماطًا وردود أفعال دقيقة. فضلًا عن ذلك، قد تكون القيمة الجمالية لعمل أدبي ما سببًا في حدوث القليل من العواقب الاجتماعية. هناك رواية متواضعة4 لهارييت ستاو يبدو أنها لعبت دورًا حاسمًا في تنبيه الوعي السياسي والاجتماعي لفظاعات العبودية في الولايات المتحدة. إذًا، واقع ندرة تأثيرات الأدب لايعني أنها ليست موجودة. مايجب أن نعرفه هو أنها آثار صنعت من قِبل مواطنين تغيرت شخصياتهم جزئيًا بسبب الكتب.
فلنعد صياغة التاريخ بلعبة رائعة. ولنتخيل عالمًا بدون أدب، إنسانية لم تقرأ الشعر ولا الروايات. في هذا النوع من الحضارات الضامرة، بقواميسها الهزيلة التي تحفل بالآهات وإيماءات القرود على حساب الكلمات، من المؤكد أن بعض الصفات لن توجد. وتشمل تلك: حالم دونكيخوتي، مأساوي كافكاوي، سوداوي أورويلي، ساخر رابيلي، سادي، ماسوشي، وكلها ذات أصول أدبية. وللتأكد من ذلك، سيبقى لدينا مجانين، وضحايا جنون عظمة واضطهاد، وأشخاص بشهوة عادية وتجاوزات فاحشة، وأناس منحطين لدرجة الحيوانات يستمتعون بتلقي الألم وتسليطه. لكننا لن نستطيع أن نرى ماهو خلف هذه السلوكيات المتطرفة المحظورة من قبل قواعد المجتمعات، تلك الخصائص الأساسية في الإنسان، لم نكن لنرى السمات الخاصة بنا؛ لذلك نحن مدينون لمواهب ثيرفانتس، كافكا، أورويل، رايبليه، دو ساد، و ماسوش لأنهم استطاعوا كشفها لنا.
عندما ظهرت رواية “دون كيخوته دي لامانشا”، سخر قراءها الأوائل من هذا الحالم المتطرف كما سخرت منه بقية الشخصيات في تلك الرواية. اليوم، نحن نعرف أن إصرار ذلك الفارس ذو الوجه الحزين على رؤية عمالقة بينما كان هناك طواحين هواء، وعلى التصرف بطريقة تبدو سخيفة، هو الشكل الأعلى للكرم، وهو تعبير عن مظاهرة تجاه بؤس هذا العالم على أمل تغييره. مفاهيمنا عن المثالية والمثاليين تفوح بمعانٍ إيجابية ثانوية، لن تكون ماهي عليه، ولن تُحترم وتكون واضحة، لو لم تجسد في بطل الرواية بتلك القوة المقنعة لثيرفانتس العبقري5. يمكن أن يقال نفس الشيء عن الأثنى الصغيرة الأقرب لدونكيخوته، إيما بوفاري، والتي قاتلت بحماس لتعيش الحياة الرائعة من الفخامة والشغف، والتي عرفتها وقرأت عنها من الروايات، كفراشة اقتربت كثيرًا من ضوء اللهب واحترقت بالنار.
تلك الإبداعات لكل أولئك الأدباء المبتكرين العظماء فتحت أعيننا على آفاقٍ مجهولة لحالاتنا البشرية، جعلتنا نستطيع اكتشاف وتفهم الهوة البشرية المشتركة. عندما نقول “بورخيسي”، فإن تلك الكلمة تستحضر فصل عقولنا عن منطق الواقع وتدخلنا إلى عالمٍ مذهل، إلى عقلية دقيقة وأنيقة، غامضة وأشبه بالمتاهة بكل تلك المراجع والإشارات الأدبية، والتي لانشعر بالغرابة تجاه شخصياتها لأننا نتعرف فيها على رغباتنا الخفية وحقائقنا الحميمة الخاصة بشخصياتنا، والذي أخذت شكلها بفضل الإبداع الأدبي للويس خوسيه بورخيس. عندما نذكر “كافكاوي” يتبادر إلى الذهن كميكانيكية التركيز في الكاميرات القديمة، كل مرة شعرنا بها بأننا مهددون، كل مرة شعرنا بأنا أفراد لانستطيع الدفاع عن أنفسنا، بكل أجهزة السلطة القمعية التي سببت الخراب للعالم الحديث، الأنظمة السلطوية، الأحزاب العمودية، الكنائس المتعصبة، البيروقراطية الخانقة. من دون تلك القصص القصيرة والروايات لذلك اليهودي المعذَّب من براغ، الذي كتب بالألمانية وعاش دائمًا على اطلاع، لم نكن لنستطيع فهم الشعور بالعجز لدى الفرد المعزول، أو رعب الأقليات المضطهدة والتي تعاني التمييز، تلك المتواجهة مع القوة الطاغية التي يمكنها سحقهم والقضاء عليهم من دون أن يظهر الجلادون أوجههم حتى.
صفة الأورويلي، وهي الصفة الأقرب للكافكاوي، تعطي تنبيها لتلك السخافة الرهيبة، تلك السخافة التي صُنعت من قِبل الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، الديكتوريات الأكثر توحشًا وتعقيدًا في التاريخ، في تحكمهم بأفعال وأحاسيس المجتمع. في رواية 1984، وصف جورج أورويل في جو بارد موحش تلك الإنسانية المحكومة للأخ الأكبر، الحاكم المُطلق، والذي بواسطة مزيج مخيف من الرعب والتكنولوجيا، محق الحريات والمساواة والعفوية، وحول المجتمع إلى خلية نحل من البشر. في هذا العالم الكابوسي، طوِّعت اللغة لصالح السلطة، وحُولت إلى “خطاب جديد”، خالٍ من أي ابتكار وموضوعية، ممسوخ إلى سلسلة من التفاهات التي تضمن عبودية الفرد للنظام. صحيح أن نبوءة 1984 لم تمر حتى الآن، والشيوعية الشمولية في الاتحاد السوفيتي ذهبت مع الفاشية الشمولية في ألمانيا وأماكن أخرى، وبعد ذلك بوقتٍ قصير بدأت تتداعى في الصين، وفي كوبا وكوريا الشمالية اللتين تنتميان للماضي. لكن الخطر لم يُمْح بعد، وكلمة “أورويلي” ستبقى لتصف الخطر، ولتساعدنا على فهمه. عالم من دون أدب سيبقى أعمى عن هذه الأعماق الخطرة، والتي نحتاج أن نراها في أسرع وقت.
عالم غير حضاري، بربري، يخلو من العاطفة وذو خطاب جلف، جاهل ومأساوي، من دون شغف وجلف في الحب، هذا العالم من دون أدب، هذا الكابوس الذي أحذر منه وأرسم معالمه، سيكون سمته الأساسية الانسياق وتسليم عالمي لبني البشر إلى السلطة. بهذا المنطق، سيكون عالمًا حيوانيًا. الغرائز الأساسية لدى الإنسان ستحدد مشواره اليومي باتجاه سد الجوع والشقاء لكي يبقى، ستحدده بالخوف من المجهول وإشباع الحاجات المادية. لن يكون هناك مكان للروح في هذا العالم. وفوق ذلك، رتابة العيش المسحوق ستولد الإحباط وستلقي بظلال شريرة للتشاؤم، الشعور بأن الحياة البشرية ماكان لها أن توجد، وأنها ستكون هكذا دائمًا، وأن لاأحد يمكنه تغييرها.
عندما يتخيل الواحد منا هذا العالم، تقفز إلى ذهنه تلك المجتمعات الصغيرة التي يختلط فيها الدين بالشعوذة، والتي تعيش على هامش التطور في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وأوقيانوسيا. ولكن فشلًا مختلفًا يخطر في بالي. الكابوس الذي أحذركم منه لن يكون نتيجة قلة التطور، بل سيكون نتيجة التحديث والتطوير المفرط. نتيجة للتكنولوجيا وتبعيتنا لها، قد نتصور مجتمعًا في المستقبل وهو ممتلئ بالشاشات والسماعات، ومن دون كتب، أو في مجتمع يعتبر الكتب – وأقصد هنا الأعمال الأدبية – ماكانوا يعتبرون الخيمياء: ذلك الفضول القديم، والشيء الذي يُمارس في سراديب ومقابر حضارة الإعلام من قِبل أقلية عُصابية ومضطربة. وأخشى أن هذا العالم المعرفي، على الرغم من ازدهاره وقوته، وهذا المعيار العالي من المعيشة والإنجاز العلمي، من شأنه أن يكون غير متحضر بعمق وسيكون خالي الروح. ستكون إنسانية آلية تركت تلك الإنسانية التي تخلت عن الأدب.
ليس من المرجح، بالطبع، أن هذه اليوتوبيا المروعة سوف تأتي. نهاية قصتنا ونهاية التاريخ لم تكتب بعد، ماسيأتي لاحقًا مرهون برؤيتنا وبإرادتنا. ولكن إن أردنا أن نتجنب فقر خيالنا، ونتجنب اختفاء ذلك الاستياء الثمين الذي يهذب حساسيتنا ويعلمنا التحدث ببلاغة ودقة، فيجب أن نتصرف. وبعبارة أدق، يجب أن نقرأ.
=====================
ترجمة: راضي الشمري
مراجعة: فيصل الحبيني.
—————-
هوامش
1- هو اسم لأحياء اليهود القديمة في أوروبا، والتي كانت توصف بالعشوائية والضيق.
2- هي مسلسلات كانت تعرض على التلفاز، سميت بالصابونية لكثرة إعلانات الصابون التي كانت تتخللها.
3- هو صحافي وإعلامي فرنسي، متخصص في تقديم البرامج الثقافية في فرنسا. ويشغل حاليًا رئاسة أكاديمية الغونكور، صاحبة أرفع جائزة أدبية فرنسية.
4- رواية “كوخ العم توم”، ترجمت للعربية عن طريق منير البعلبكي.
5- يشير يوسا هنا إلى تغير قراءة الناس للأدب عبر الزمن، فتأمل!


الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

" لم نحلم بأشياء عصية "

مع البدايات نحتاج كثيرا لأن تُمزج بالحب لنتقوى به ونخطو عتبتها إلى ما هو بعدها ، يقيننا به يبلغ العنان ومع تكرار الخيبات والخذلان لا نلومه بل نظل نتشبث بأمل القرب والوصل ، كلما استحال علينا تمسُكنا به يشتد وفي الأخير نجدنا قطعنا شوطا كبيرا في الدرب ، ابتعدنا عن البدايات ودخلنا التجربة ، تم اختبارنا ، لا يهم ايا كانت النتيجة ولكن عبء التجربة لم يكن هين ، خضنا الدرب وحيدين وحينما ننظر إلى هذا الحب لا نجده حمانا مما نخاف ، لا نجدنا تقوينا به ، لا نجده رَبَت على اكتافنا حينما كان أقصى أمانينا كف تذوّب تلك القسوة وتخفف عبء الحِمل الثقيل.
خوض التجربة أكسبنا (قسوة) وأفضل تسميتها هكذا وليست (صلابة) لأن الوحدة التي أصبحنا عليها أصبحت توصمنا بالخذلان والهروب والإغتناء عن المقربين مقابل أنانيتنا طالما مازلنا ندعي آماننا في تلك الوحدة واكتفائنا بها. تلك (القسوة) لنشد على الآخرين عند اتهامهم لنا ، حتى لا نبرر وحدتنا ولا نعطيهم حتى سبب واحد بلومهم بأنهم لم يتفهمونا كفاية ولم يحتوا ألمنا ، كانوا بالفعل مقربين بالمعرفة _ بأنهم يعرفوا ثِقل التجربة_ لكنهم ليسوا مقربين بحمل العبء معنا.
تلك القسوة المكتسبة هي المفتاح الذي سيجعلنا نخوض التجارب التالية ونحن نثق في أنفسنا كفاية بأننا جديرين بخوض القادم. الذعر هو ما جعلنا نبحث عن الآخرين لتسكيننا ولكن عندما لم نجد السكن عندهم ووجدنا أنفسنا نسير نحو الهاوية بذلك الذعر من كابوسية النهايات وانه ليس هناك مفر مهما حاولنا و"طرقنا كل جدران الخزان"  مع تغيير المسار والانفراج الأخير فلن نجد أفضل من أنفسنا نسكن إليها ، سنجد أنه لم نكن بحاجة للأخرين فهم ليسوا بتلك الأهمية التي تصورناها يوما ما !

ربما ليس أشرس شيء ممكن أن تقابله هو شدة عليك تجاوزها وليس أمامك أي سبيل أو شيء تقدمه لتنفرج أو لتساعد على انفراجها ، ربما وقت الشدة ستتخيل ذلك انها الأسوأ لأن ما تحمله من خوف وصل بك حد ما تصفه الآية " حتى إذا بلغت القلوب الحناجر " هكذا كنت دائما ما أصف لأختي احساسي بأني أشعر بأن قلبي "محشور" في حلقي كما لو اني سألفظه ! حتى داهمتني في أقسى لحظات الإنتظار استدعاء تلك الآية فجأة حتى وجدتها تفصح بشكل بليغ عن لحظات ذعري تماما.
وقتها ظننت ان كل ما سيأتي بعد سيهوّن تلك اللحظات أو لأكون صادقة كفاية تلك السنة والنصف من الإنتظار المميت !
لكن الإحساس الذي تلاها وما اشعر به الآن هو حالة من الخواء التام ، أشبه بصوت الريح عندما تمر من انبوب مجوف فنسمع صفيرها المدوي ، لا شعور على الإطلاق ، ليس الأصعب ما ممرت به بل ما انا مقبلة عليه ، الأول عمل على تعطيل حياتي تماما من أجل شيء آخر أهم وأكبر ودفعني لأدفع ثمن لا يخص إخفاق أو فشل خاص بي ولكن هذا ما اقتضته الظروف ، لأجدني أواجه ما كان المفروض أواجهه لو تم ترتيب الأحداث التي كنت سأمر بها في سياقها الطبيعي ولم يتدخل القدر.

سأصنع نفسي ....
جملة عند كتابتها تمتلك من الإبداع والقوة والإقدام ما يجعلها جميلة في حد ذاتها ، فلأكررها مرة أخرة (سأصنع نفسي) ، تلك الجملة هي سبب ضياعي التام ، هي سبب مرحلة الضباب والوجوم التي أعيشها ، جملة أستطيع أن أضع أمامها كل أدوات الإستفهام وأقف عاجزة عن إجابتهم ، كيف سأصنع نفسي ؟ لماذا سأصنع نفسي ؟ متى سأصنع نفسي ؟ أين سأصنع نفسي ؟ ما الذي سأصنع نفسي منه ؟
قدر مخيف وانت تبدأ الخطوات الفعلية لتؤسس انت بعد خمس ، عشر ، عشرين والخ الخ من الأعوام ويقابله كل هذا الضياع أمام البدايات والإستقرار على ما تود كونه ، تعرف العديد من البدايات لكنك في كل واحدة منهم ينقصك شيء ما خارج عن طاقتك ، حتى في أكثر الأمور استقرار لديك أصبح ينقصك نفس الشغف والحماسة التي كنت تملكها بينك وبين نفسك.
تتسائل هل هذا الإنهاك الذي تشعر به الآن ناتج عن خوض تلك التجربة التي بالفعل غيرتك ، وفقدان هذا الشغف وضباب الرؤية هو نفسك الجديدة التي تلح بفرض نفسها وانت تكبح ظهورها بتمسكك بشغفك القديم حتى ان كنت لا تعرف هل هذا هو حقا ما تريده ام لا أو ليس هكذا تحديدا هل حقا ستحقق النجاح أو الإبداع فيه الذي كنت تريده أم لا !

صخب احتكاك قائمة ما تود فعله يتنافس بداخلك وتقابله انت بكل عدم الشعور الذي أصبحت عليه لا اريد الآن لا استطيع !

** العنوان مقتبس لـ محمود درويش / لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي

" ولنا أحلامنا الصغرى, كأن نصحو من النوم معافين من الخيبة لم نحلم بأشياء عصية نحن أحياء وباقون وللحلم بقيةْ "


السبت، 19 يوليو 2014

بعض من مذكرات شارلي شابلن

* إن هذا الاتجاه نحو تصوير الفقر في صورة جذابة للآخرين أمر يبعث على الضيق. فلا انا عرفت حتى الآن رجلا فقيرا يحن الى الفقر أو يجد فيه حريته. ولا المستر "موم" يستطيع ان يقنع أي فقير بأن الشهرة والثراء الفاحش يعنيان القيود.
انني لا اجد قيد على الاطلاق في الثروة، بالعكس اجد فيها كثيرا من الحرية. ولست اظن ان "موم" يرضى بان ينسب مثل هذه الأفكار الزائفة إلى أية شخصية من رواياته ولو في أقلها شأنا.
فالقول بأن ( مناظر شوارع الحي الجنوبي في لندن تمثل البهجة والمرح والانطلاق في المغامرة ) قول يحمل طابعا من الميوعة والخفة يليق بماري انطوانيت !

انني لا ارى الفقر جذابا ولا بانيا للشخصية. فالفقر لم يعلمني شيئا غير تشويه القيم والمقاييس والتقدير المبالغ فيه لفضائل ومحاسن الأغنياء والذين يطلق عليهم صف الطبقات الأرقى.
اما الثروة والشهرة فإنهما على العكس قد علماني ان ارى العالم رؤية صحيحة وان اكتشف حين اقترب من البارزين من الرجال ان لهم نقائصهم الخاصة مثلنا جميعا. كما علمتني الثروة والشهرة ايضا ان انظر الى العلاقات العريقة المرسومة على السيوف والعصى وسياط الركوب باعتبارها نوعا من الادعاء، وان ادرك زيف اللهجة الجامعية كمقياس لذكاء الإنسان وجدارته ومدي الأثر المدمر لهذه الخرافة المحفورة على عقول الطبقة الوسطى الانجليزية. وان اعرف ان الثقافةليست بالضرورة نتيجة للتعليم أو معرفة الكلاسيكيات.

وبالرغم من افتراضات "موم" فأنا ككل انسان آخر لست إلا أنا. فرد قائم بذاته، مختلف عن غيره، له حوافز ونوازع ممتدة إليه عبر خيط وراثي قديم وتاريخ شخصي من الأحلام والرغبات والتجارب الخاصة ، أمثا أنا حصيلتها الكلية .


*  إني لأدرك أن الأيام والظروف قد جاملتني. وانني تغلغلت في عواطف العالم، وجربت حبه وكراهيته. نعم، ولكنه منحني الكثير من الحب والقليل من الكراهية. ومهما كانت قرارتي فانني أؤمن بأن الحظ والسوء يهبطان على الانسان اعتباطا كالسحب. ولأنني أعلم ذلك فإنني لا أصدم ابدا بما يصيبني من سوء واستقبل ما يصيبني من خير كمفاجأة أرحب لها. وليست لي خطة معينة اعيش بها أو فلسفة .. فنحن جميعا عقلاء وحمقى ومرغون على صراع الحياة !
وموقفي تجاه المصاعب لا يلبث على حال، ففي بعض الأحيان تثيرني أشياء تافهة، وفي بعض الأحيان أواجه الكوارث بغير اكتراث .. على أن حياتي الآن اكثر اثارة مما كانت في أي وقت مضى. فأنا في صحبة طيبة، ومازلت قادرا على الخلق، ولدي مشاريع لانتاج مزيد من الأفلام. قد لا اظهر فيها ولكن اكتبها واخرجها لأفراد أسرتي وبعضهم يملك مواهب مسرحية لا بأس بها.

ثم انني ما ازال بالغ الطموح ولن اعتزل على الإطلاق. فهناك اعمال كثيرة احب ان اقوم بها بالاضافة إلى ما عندي من سيناريوهات سينمائية تحتاج ان تستكمل، فانني اود لو اكتب مسرحية واوبرا اذا سمح الوقت.

ولقد قال شوبنهاور ان السعادة حالة سلبية ولكنني لا اوافقه. فأنا قد عرفت طوال الأعوام العشرين الماضية ماذا تعني السعادة

السبت، 31 مايو 2014

عابريّن في المقهى .. قصة قصيرة

رأيتهما مقبلين علي من بعيد ، تتشابك أيديهم كما يفعل العشرات غيرهم ممن يأتون إلى المقهى يوميا في كل ساعة. كانت ترتدي هذا اللون الروز الخفيف الذي يكسو وجهها بمسحة رائقة للغاية تبدو هادئة وخجولة وفي عينيها لمعة الإبتسامة المطمئنة. هو أطول قليلا يتقدم في خطوته عنها بخطوة كما لو انه يريد الإسراع بالقدوم إلى المقهى ربما ليستريح بعد مشوار طويل قضياه سويا بالخارج. اتخذا طاولة بجانب الباب الزجاجي المطل على الشارع واختارت هي الكرسي المواجه لتلك الواجهة الزجاجية وهو قبالتها. كان المقهى هادئا قليلا من الزبائن فتقدمتُ بعد فترة قصيرة من جلوسهما لأسألهما عما يريدانه طلبت هي عصير الفراولة باللبن مع كثيرا من السكر وهو قهوة مظبوط. أعددت ما طلباه وذهبت إليهما كانا منهمكين في الحديث لا أدري عن أي أمر تحديدا فلم تتسلل لأذني بعض من كلامهما ولكنها كانت كثيرة الإبتسام والإماءة برأسها. توقفا قليلا ريثما أعددت الطاولة وحييتهما بإبتسامة ترحاب وذهبت لأجلس في ركن أمام التلفاز لأتابع أثر اليوم الثاني للعملية الإنتخابية على قناة السي بي سي مع مدام لميس الحديدي تلك المرأة المنفعلة بغلاظة والمعلقة دوما على ما تعرف ومالا تعرف.
تعلقت عيناي بهما قليلا حيث كانت تخرج من حقيبة يدها كتاب مصور أخذت تريه فيه عدد من الصور معلقة بإسهاب على كل واحدة منها وهو يتابع معها منتبها لما تقول وعينيه تتأمل ما تريه إياه، هي تحكي بشغف جم وتحرك يديها كثيرا شارحة وضاحكة وهو يبدو متفهما تماما. تحولت مرة ثانية للتلفاز محاولا تركيز انتباهي ولكني نفرت كثيرا من المتابعة وأصابني الملل اختلست النظر إليهم مرة ثانية فكانا مازالا منهمكين في الحديث كما لو ان الوقت متوقف عندهم لا يشغله غيرهما. وجودهم أضفى الحميمية للمكان فهناك بعض الزبائن الجالسين بمفردهم ضجرين يأكلهم الملل وينفثوا كسلهم في الدخان المندفع من أنوفهم وأفواههم. أما هم فمتناسين ما حولهم يوزعون تلك الإبتسامات بسلاسة امتلكت قلبي بعفوية جعلتني شديد الألفة بوجودهم.
تلك الألفة اخذتني لتلك الأيام القديمة في قريتي التي وفدت منها لأبحث عن عمل هنا يساعدني على قضاء حاجات أمي وأخوتي البنات بعد ضيق الحال بهروب والدي مع تلك المرأة التي عشقها وباع الكل من أجلها. وجدنا أنفسنا فجأة وحيدين ومرتبكين ماذا نفعل وكيف سيكون الحال. اتفقنا ضمنا بيننا على أن نتحايل على الأمر بعدم ذكره مرة ثانية وأن نستعين بغيابه على نسيانه كأنه لم يكن يوما في حياتنا. ذلك الأمر الذي فررنا منه جميعا كل إلى ذاته وانا حيث قادتني قدماي إلى هنا.
نعم كانت حياتي في بلدتي هادئة قبل تلك الحادثة وكنت أنعم بألفة مماثلة وسط الأهل وكانت لي تلك الفتاة التي أحببتها منذ صغري لا استطيع ان أقول ان علاقتنا كانت تشبه الجالسان امامي بالطبع ولكني كنت اطمئن بوجودها كانت حلمي الحقيقي الذي هربت إليه في كل لحظات الضيق والضجر ومنيت نفسي يوما أن يستقر بي الحال بجوارها نأنس سويا. كنت أعشق الرسم والألوان كما لو انني أكسو كل ما اقابله بلون يجعله مفعم بالحيوية والبهجة. رسمت كثيرا من الأشخاص متحايلا على حقيقتهم لأجعل منهم أشخاص سعداء. نعم كان بعضهم عابس ومنهم من حفر الزمن في وجهه خطوطه وتشققاته تاركا أثره القاسي عليهم ولكن بتلك الألوان جعلتهم أكثر حقيقية مما هم عليه لم تعد وجوههم باهتة بل كانت مشرقة بفخر محبب للنفس تعتز به. حبيبتي كانت على الورق جميلة ونضرة ولكنها في الحقيقة أجمل وأجمل هناك جمال خفي مهما حاولت إبرازه بالألوان لا تستطيع الإمساك به يفاجئك بخطفة سريعة في القلب مع النظرة الأولى تاركك بعدها مرتبكا.
اتخيل الآن لو أن إحدى رسوماتي لها تسللت لذلك الكتاب المصور امامهما لكانت حكت عن جمالها بنفس هذا الشغف وتلك الإبتسامة وربما اكثر ولربما جلستُ معهما احكي انا بالنيابة عنها وأشرح لهم مالم يستطيعون أن يروه فهم لا يعرفونها مثلي. أحكي عن تلك العيون العسلية الخجولة حين تنظر إلي وتشيح بوجهها سريعا ، عن سر تلك الخصلات الأمامية لشعرها والتي لا تنتبه انهم مكشوفين أسفل حجابها الذي يتواطؤ معي ليُزاح قليلا على غفلة منها وهي مشغولة بعمل ما فأتابعهم خلسة وأصورهم بألواني كخصلات الخيول النافرة.
بعيني المركزة عليهما وعقلي السارح بعيدا رأيتُ إشارة من يده طالبا الحساب. ذهبتُ مسرعا وودعتهم بسلام أكن له في داخلي كثيرا من الإمتنان. راقبتهما إلى أن مضيا بعيدا عن المقهى.
أحن لتلك الأيام وأحن إليها كثيرا ربما في يوم نجتمع سويا وندخل ذات مقهى متشابكين الأيدي كالعشرات الذين أراهم هنا وننسى كل ما حولنا ويسرقنا الوقت فلا ننتبه له ولانوليه بالا ونجبره نحن بدورنا أيضا أن يتوقف عندنا قليلا فلقد أنهك قلوبنا طول السفر.

الأحد، 27 أبريل 2014

يوما ما سيجبرك الألم على وأد الأمل طوعاً

من أين لي التصالح والسكون ؟ من أين لي ذلك الخدر الذي يجمدك عما حولك مطمئنا ؟ من أين لي هدوء العابد الورع ؟ من أين لي تلذذ ذبذبة الأنين التي تشي بالتحرر من الألم ؟ من أين لي الخطوة القادمة ؟ التغيير القادم ؟ الحياة الجديدة ؟ من أين ؟
أنا مرهقة ومتعبة لم يعد لدي أي قدر ضئيل من الطاقة حتى للخطو خطوة واحدة. منهكة ومفرغة بالكامل فأنا كل ما أصبحته قفص صدري يعلو ويهبط كمؤشر للحياة الإكلينيكية. ودقات قلب عنيفة طوال الوقت أشعر بها في جدار ذلك القفص الصدري كما لو أنها تريد ان تتحرر منه بمنتهى العنف والقوة وانتزاعه انتزاعا، لكنه يمنعها فتتمرد علي _أنا الذي لا حول لي ولا قوة_ بإيلامي بين الحين والآخر ببث تياراتها العصبية شديدة الحدة تاركة إياي في حالة من الإنهيار الهستيري والإنهاك البدني التام !

أخذوا مني تلك الحياة وتلك القوة وبخجل شديد أقول تلك البهجة !
لم اطلب شيئا، ولكي لا أطلب شيئا قننت احتياجاتي حد الكفاف، بدون تذمر وبنوع من الإستعلاء لأحفظ بعض مما بقى لي من حس رفض الإهانة. أغلقت عليّ باب حجرتي على مدار العام، اكتفيت بالخروج منها للضرورة، رفضت الأكل معهم. أن اجلس مع من يسحق كرامتي على مائدة واحدة أي ذل ذلك ، ملوحا بأنه يطعمني جاهراً بها. فقدت شهيتي رويدا رويدا وفقدت القدرة على النوم ، أنا لا أنام بإغفاءة عميقة تريح جسدي بل يظل عقلي عاملا طوال الوقت مذكرا إياي بآلآمي الجسدية وإهانتي، واضعا كافة السيناريوهات والحوارات الممكنة لتأييد أفعالي مخلفا من وراء ذلك إحساس بالسخط الدائم وحالة من النكران وراء جدار الصمت الجافي هذا !
لو أردت النوم لأرتاح اعتمد على الدواء المهدئ ليريح بدني وادخل في تلك الإغفاءة التي يصرخ عقلي أغلب الوقت لينالها.
تنكرت لكل ما أريد حتى وصل الأمر لما احتاج، تقبلت ذلك التحول من الحد الأدنى إلى الأدنى منه إلى أن ضاقت علي الأرض بما رحبت وضاقت علي نفسي.
أنظر إلي الآن لا أعرف من أكون وما أستطيع فعله، فقدت القدرة على الصمود، تآكل جسدي، تآكلت روحي من قبل ذلك بزمنٍ كما لو أنني أحمل بقايا نخر عظام لعجوز !

كان علي أن اواجه المصير وحدي، فإن تمنعت في بذل شيء لأجله يستطيع شراءه، فهو سلبني في المقابل مالا أستطيع شراءه ولا يستطيع هو تعويضي إياه. سلبني عام كامل من عمري يتوقف عليه الكثير من مُضيّ قُدما وتحقيقي لذاتي وإكسابي تلك الهوية المستقلة التي طالما شغفت عمري المنصرم كله لبلوغي إياه.
اعتزلت الآخرين كلهم القريب والبعيد لم يعد منهم من يستطيع تسكيني، لم يعد هناك من يستطيع الفهم، لم يعد هناك من أستطيع أن أدين له أكثر بمعروف يبدد مزيد من الطاقة المهدورة بدءاً.
عزلتي عنهم لحمايتي لهم أكثر من تجنبي ذلاتهم. حمايتي لهم مني التي لم أعد أعرفها ولا أستطيع كبح طباعها الشرسة. حمايتي لهم من تحميلهم عبء لن أستطيع شكرهم عليه لأنه أبعد ما يكون عما أريد ولا لوم عليهم في ذلك.
عزلتي حتى لا أرى ذلك الإحساس _المميت لي_ بشفقتهم علي من مصيري، أنا المتخلفة عن ركبهم  ومهما حاولت وكابرت لأبدو متماسكة تماما مازالوا ينبشون بأظافرهم الحادة  ما أحاول إخفائه من كسرة في النفس لا أستطيع تحملها.

لم أستطع منع ذلك الشعور المؤلم بالخوف من عدم استطاعتي بالنجاح في المرة الثانية. لأول مرة أشعر بعجز تام خاص بي أنا وحدي في أمر متعلق بي. كنت أزعم دائما اني كفيلة بأمري وأستطيع تجاوز كل ما يتعلق بي بإرادتي الصلبة المعهودة ولكني كنت خائفة لدرجة الألم الذي فتك بي وانا على مشارف خوض التجربة الثانية. شعرت بنفاذ المحاولات مع فقدان القدرة التام !

مزيد من الشعور بالأسف وعدم الإنصاف، فلقد مررت بكل هذا في المرة الأولى ولم أدخر أي جهد في طاقتي. عملت أقصى ما في استطاعي حينها لإنجاح الأمر ولكن يبدو أن وقودي كان قد نفذ قبل خط النهاية بثلاثة بالمائة فقط !
وكوني لم أبذل مجهود اكبر ايضا هذه المرة حيث اني اتممت الأمر صحيحا في المرة الأولى ولكن خانني الحظ، أشعر بالغضب والإجهاد معاً.
عندما رأيت أغلب من معي في المرة الثانية يبدو الأمر لهم عادياً ولم يبذلوا مرة أخرى عناء لإنجاحه شعرت أني لا امتلك تلك الرفاهية التي يملكون. أنا في احتياج لإنجاحه اما هم فلا يعنيهم كثيرا إنجاحه أم لا، لأنهم لا ينقصهم شيء ولا حتى ذلك الشعور بالخجل من النفس !

تكرار نفس الأمر بنفس الطريقة وانتظار نتيجة مخالفة نوع من الهدر الأحمق للتوقعات وخيبة أمل ليست عن سوء حظ ولكن عن غباء صادر عنك. وهو لا يفعل شيء غير إرجاعنا آلآف المرات بنفس الطريقة إلى ما نحاول التحرر منه. كلما هممنا لتجاوزه مد يده طويلة ومعها لسانه ليكبلك بهما. في البدء كنا نواجه بدفع الأذى الآن لم يعد هناك ما نستطيع الدفع به فالتزمنا الصمت أما هو فمستمر في كربلائيته المريرة !
نحن تحولنا تماما لبقايا ليست مهزومة بالعكس منتصرة ولكن ما نفع النصر لشخص ميت لن يجدي معه شيء ليبعثه من جديد وأي نصر ذلك كل ما فعلته انك تحملت الضربات !

حاولت مهادنة الخيبة بتطلع بعيد لأمر يبعث في قلبي البهجة لأسكنه قليلا وأعينه على التحمل قليلا. حتى هذا الأمر بالرغم من فرضيته في عالم الأحلام إلى أن الواقع نهرني بشدة كما لو كنت أهنته، حتى انني لم أفعل اي شيء يذكر لجعله واقعا، كما لو ان محاولاتنا للتخفف يستشفها القدر أو ايا كان مسماه ويعاقبنا عليها بقسوة بدرس ليس له داعٍ من تذبذب الإيمان ! كما لو انه ليس سوء حظ أو عثرة بل ترصد، انك المقصود والمتتبع ، سننال منك حتما سننال منك عن آخرك !

بالأخير لا أتمنى شيء غير أن اخطو الخطوة القادمة، أن تكون هناك خطوة قادمة من الأساس وإن لم تكن فليس هناك داعِ لتحمل كل هذا الألم يا الله.



الأحد، 9 مارس 2014

لو بعتني يا عم وسط الناس غليني

الحاجة الوحيدة اللي شايفاها تعرفني هي دراستي / شغلي ، اعتقد ان دي الحاجة الوحيدة لحد دلوقتي اللي انجزتها بنفسي وبإختياري ، وكوني الأولى في عيلتي في المجال ده فحققت ده بطريقتي الخاصة وبإسلوبي الخاص لأن مفيش خبرة أو تجربة سابقة اتعلم منها. وكأي طريق الإنسان بيمشيه بنفسه لازم بيلاقي مطب بيتكعبل فيه ،  المشترك برضه فيه انه لازم يواجهه لوحده ويحاول يتقبل العثرة دي في الأول وبعدين يتجاوزها ، او يتعامل مع المعطيات الجديدة كفرض واقعي،  بمعنى انه يحاول يتخلص من مرحلة الإنكار اللي للأسف ساعات بتيجي متأخر بعد تقبل وقتي للأمر يلاقي نفسه بعد كده ساخط جدا ومحاولة التقبل الزائفة ما كانتش غير فعل وقائي عشان يثبت لنفسه انه لسه متحكم وصاحب السيطرة.

انا طول الوقت كنت مدركة ان المرحلة الأولى ” للخلاص ” بالنسبالي هو اني انهي دراستي الموضوع بالنسبالي كان هدف حقيقي أكتر من انها مرحلة في حياتي من الطبيعي اني هعدي بيها ، عشان كده كان السبب الوحيد اللي بيمنعني من اني اتمادى في نقد طريقة التعليم واني ازود عدد سنين الدراسة اللي اصلا مش محتاجة كان هو ده ” انا لازم أخلص دراستي ” مش ممكن استنى ترم كمان ولا سنة ولا حتى شهر زيادة.

في مرحلة معينة بتضيق بينا نفسنا وبنضيق من اللي حوالينا خاصة لما تتأخر مرحلة مواجهة نفسنا بالعالم الخارجي ، بإننا نشوف حجمنا الحقيقي وقدراتنا الحقيقية ومدى تأثيرنا واحتياج الآخر لينا.
خاصة كمان لما تدرك ان حياتك كلها كانت مُسيّرة من قِبل شخص واحد ، الشخص الواهب أو اللي بيدفع فاتورتك من الآخر ، فاتورة حياة كاملة انت عايشها. لما تبدأ ترفض وتعترض بتلاقي ان جزء منك مكسوف وشايف انه كاذب لأنه عليه فواتير كتير ما ادفعتش ، وخاصة كمان لما اللي كان بيدفع ـ وانت كنت مفكر وقتها ان ده حقك الطبيعي ـ بدأ يطالب أو يفكرك انك عليك فواتير كتيرة أوي فأنت ما تستاهلش انك يدفعلك فاتورة كمان !

وعشان تبقى المحنة حقيقية وتحس بشدتها فعلا بتيجي في الحاجة اللي انت كنت بتقلق منها الأقل او بتتمناها الأكتر على حسب الأكثر إيلام ليك في اي جهة بالظبط ، انك تأخد ضربة غير متوقعة فتسببلك عجز تام في كل ردود أفعالك وتصرفاتك او تأخد ضربة في الحاجة اللي بتحبها الأكتر فتصاب بخيبة أمل كبيرة جدا تفقدك اتزانك وتخلي قدامك الطريق مموج أوحتى فجأة تلاشى.

أنا محنتي دايما متعلقة بإنتظار الخلاص على كل الأصعدة في حياتي الخاصة ، أي حاجة بتحصلي هو اني بستنى وبستنى وبستنى ، بستنى الأمور تتحسن ، بستنى ابدأ حياتي اللي بتمناها ، بستنى الخبرة الكافية عشان احقق شيء واقف على ارض صلبة ، بستنى حد يقول كلمة وما بيقولهاش ، بستنى عدالة ما بتجيش ، بستنى ناس تتغير وما بتتغيرش ، بستنى انا اتغير وبرضه ما بتغيرش.

برغم ان خلاصي من دراستي كان هدف أساسي بس ما كنتش أتخيل انه في يوم هيكون أشد حاجة محتاجاها في حياتي في المرحلة دي. انه تخطى فكرة *مرحلة* لفكرة *احتياج* عملت كل اللي أقدر عليه وقررت المواجهة ومهربتش واتحملت ضغط عصبي يفوق أضعاف اللي بيتحملوا زمايلي عشان اشبع الإحتياج ده ـ نظرا للظروف الخاصة اللي مريت بيها - بس برضه فشلت ، وفشلت على تقديرات بسيطة جدا
بيخليني قول لنفسي ان التجربة كانت ناجحة بالنسبالي جدا بس بتقديرات الآخرين اللي دايما بيهمهم النتيجة الأخيرة فهي فاشلة.

اتقلبت ما بين تقبل أولي عشان اتماسك ، لسخط عارم عشان أعرف المقابل اللي دفعت عليه التمن الغالي ده من حياتي من وقتي ،  لحالة صمت أجوف جوايا بيتحايل انه عادي مش هتفرق كتير عشان يغالب إحساس ان يبقى فيه ندم ما اقدرش احسس نفسي بيه لأني ما قصرتش فعلا فمش عايزة أظلمني بزيادة ، 
لإحساس انه ياما دقت ع الراس طبول *وده حقيقي جدا* إن مش اسوأ حاجة حصلت في حياتي هو ده لأ انا واجهت الأسوأ بكتير على كافة الأصعدة اللي يخليني أفضل متماسكة جدا.
كل السخط إن فعلا اللي دفع التمن في حياتنا * الكذبة * هم الناس الغلط اللي المفروض ما يدفعوش أي تمن في حين اللي غلط بجد حياته اتعادت ترتيبها بشكل أفضل واللي بيدفع التمن عنه حياته اتدمرت !

كل اللي محتاجاه اني أهرب مش هروب عاجز عشان سايبة حاجات تستحق انها تتقفل لأ هروب لبداية جديدة ، أهرب من مستنقع ما بيعملش حاجة غير انه يوسخك أكتر وأكتر ، عايزة أهرب قبل ما الكويس فيّا يتغير وبدل ما أكون قادرة اني أسامح امتلك قسوة يتحجر معاها حاجات كتير اتمنى انها تفضل حية فيّا يمكن تنقذ أي حاجة يمكن انقاذها مسقبليا عشان كده أنا كنت في * احتياج * اني أنهي كده وما يفضلش فيه قيد مكبلني مش قادرة اتحرر منه

الأربعاء، 1 يناير 2014

2014 ..

ابتدأت تلك السنة الجديدة من بضع ساعات فقط ، استبشار وتمني لم أعهده في نفسي على مدى عام كامل ولم استقبل به حتى العام المنصرم عام ال 2013.

2013 كانت الأصعب على الإطلاق ، سنة كاملة كل ما كان فيها هو محاولة الصمود أمام ضربات القدر المتتالية ، آلآم جديدة كل يوم وجرح في النفس يترك ندبته أبد العمر ، سننسى حتما سننسى ويتراكم الغبار على تلك الأيام يوما ما لكنها ستظل قابعة هناك في ظلمة البئر عميقة ومن حين للآخرسننفض الغبار عن تلك الذكرى ليعود الجرح يؤلم من جديد لكن من المحتمل أن يكون حينها مستنا تلك الفرحة  بعين الرضا التي تعيننا على تحمل الأوجاع وتطيّبنا بحكمة " هكذا هي الحياة " !

لن أنسى ما كتبته بختام ال 2012 ، مودعة عام ومستقبلة عام ، كتبت وكنت على يقين بما اكتب والآن أنا أيضا على يقين بما حصلت عليه
"

ويمضي الوقت ونظل عالقين خلاله. فلا عام ماضٍ يستوقفه برهة ولا عام آتٍ يسرع به قليلاً. فنحن عالقين به في حالة متصلة . فلن نتوقف مثلا عند الثانية عشر صباح اليوم الأول من العام الجديد لنعلن أننا أفرغنا ذاكرتنا تماما مما مضى ، أو نعلن أن هذا العام يَجُب ما قبله من أخطاء سواء كنا مسئولين عنها أم أُجبرنا عليها ، أو نعلن ولادتنا من جديد ، او نعلن إنتهاء حالات القلق ، أو نصرخ مدافعين عن الشعور "بالوحدة" كجزء من ذاتنا الجديدة مع العام الجديد ، أو نُصر على سيناريو بعينه مُعَّد للسنة الجديدة ، أو نجزم بحقيقة شيء سابق تعلمناه لن يتغير هذا العام بطريقة أو بأخرى !

نحن من نجدد التوقيت لكن الزمن لا يتجدد والحلقة لن تنكسر بين لحظتين زمنيتين و كما أن الآمال لا تنشب فجأة وقت التأهب لها ! "

الآن مع حلول هذا العام كم اتطلع لبشرى جديدة، لأمل جديد ، لبرهة نتأمل قليلا ماذا كنا وكيف أصبحنا وماذا بعد ؟
لنعيد خلق ذواتنا الجديدة بذلك الحِمل ، لنتغلب على الهشاشة لننفضها ونرى أثر دفع الأذى عنا وكيف اكسبنا صلابة ، لنضع خططنا لهذا العام ولنغدق أمانينا على من نحب ، لنسأل الله العون وأن ينظر إلينا بعين الرحمة والهدي للطريق.

سنة أودعتها دعاء ورجاء ليحفظه الله، عنده لا تضيع الودائع. أنا من آمنت أن الزمن لا يتجدد ولا ينكسر بين لحظتين أشعر هذا العام كما لو اني نفضت عن عاتقي غبار حِمل ثقيل ، فما حدث قد حدث ، متطلعة للقادم بعين مستبشرة وقلب أخضر. فالماضي انتهى مجازا لابد أن يكون هكذا ولأبدأ عام جديد كما لو أن الزمن يبدأ الآن مبددة ما جمعته من خسائر. فمازلنا مرضى مصابين بالأمل.



                                                                                                                                                           

عدت سنة !

2013 لم تكن بنا رحيمة على الإطلاق !

- كل واحد منا يعيش معاناته الخاصة جدا ، لا أحد يمتاز عن الآخر بكون ألمه أكبر أو أقوى ، بكل بساطة كل واحد يعيش جحيمه الخاص ، كل واحد منا يحاول دفع الأذى عن نفسه ، يحاول أن يتحرر وفي كل محاولة تلتف عليه معانته بطرق شتى ، مع كل محاولة للمقاومة نزداد هشاشة ونتحصن بالصمت لا غير !

- لو كان هناك شيء أشد من فاجعة القدر فهو محاولة تأويله ، ولو هناك أمل قاتل فهو أمل اليائس ، ولو هناك انتظار غير رحيم وهو في المجمل هكذا فهو انتظار لشيء يستنزفك ، انتظار خلاص لا دخل لك به !

- (الوقت) جدير بالتبجيل ، لا تدرك أهميته إلا حين ينفذ أو لا يستوعب مغامرة " شغف " ، الوقت سواء ساعات ، مرحلة ما ، أو عمر كامل ، مخيفة فكرة استرجاعه ولا يوجد به شيء يستحق التوقف عنده ! هناك وقت نرجوه ليمر وهناك وقت نستوقفه ، الوقت بالضرورة ينقلني لتلك اللحظة التي يشعر عندها المرء بالإكتمال ، لحظة تسترعي الإنتباه أخاف أن تكون ولت و اتمنى أن تكون قادمة ، وفي هذا أو ذاك لا اعتقد أن تكون وجدت بالفعل لأنها ستكون بدون خوف أو أسف أو حتى تمني. سيكمن كمالها في انها هي !

- فكرة استحوذت علي هذا العام هي فكرة " الإنتحار " تلك الطاقة الموازية تماما لطاقة الحياة ، تلك الرغبة الدافعة لتلك الغريزة الجوهرية فينا ، اولئك من امتلكوا الجرأة للهو بالحياة ، من امتلك حس تمرد خالص تماما ليواجه ايا كان ما ينتظره على الجانب الآخر أو لأنه اكتفى فقط بما حققه.
فيلم the hairdresser's husband
لم تكن تتخيل انها تستطيع ان تكون أكثر سعادة مما هي عليه، في لحظة ما قبل أن يخبو صخب العلاقة وتصاب بالفتور، اختارت أكثر لحظاتها تألقا وفي أعلى قمة للمنحنى أنهت كل شيء تماما تاركة خلفها مالا يفسر محققة لحظة اكتمالها.
كاتب يدعى "رومان جاري" عاش حياته كلها تحت اسم مستعار "آميل اجار" حقق مجده باسم أخر ، واجه الحياة بهوية مزيفة ، خدعة استخدمها ليلهو بتلك الحياة وحقق انتصاره عليها. في رسالة انتحاره كتب :
" لقد استمتعت كثير باللهو ، شكراً الوداع "

- كتابة بعقد مصالحة مع القسوة كانت " أطول رسالة في العالم" تلك التي كتبها الفتى نيقولا ذو الأحد عشر عاما لحبيبته المستقبلية المتخيلة شوكس
لا استطيع منع تلك العبارة من أن تقتحم تفكيري من حين لآخر لتعقد هدنة للتصالح معي ( لو كنت أنا يا شوكس سأكون كما في الأحلام السعيدة )
ربما حلمه السعيد أن يكون معها هي التي لا يعرفها ولكنه ينتظرها ، ربما حلمه السعيد أن يستعيد جدته ، أن نستعيد هؤلاء من نحبهم وغادرونا ولا نستطيع جلبهم إلينا إلا بإستحضارهم في أحلامنا السعيدة ، ربما حلمه السعيد أن يقف في وجه زملائه الذين لم يكترثوا لإختفاء صوته حزنا على جدته ، أن نكون أكثر قسوة مع هؤلاء الذين يتجاوزونا ويسخروا من ألمنا فقط لأنه لا يعنيهم !

- الموت على الرغم من فرطته والتفنن في خطفتنا بطرق شتى، ستبقى له هيبته ، سيظل أمر يروعنا إذا اقترب من أحبائنا ، سيظل يكسونا بحزن هش بلوري سهل الكسر طالما مازال قادرا على أن يوجه ضربته إلينا مباشرة تاركنا بلا حيلة وبجرح لا يندمل. مثير للشفقة من يظن إنه بموت أحدهم حقق انتصار ، هو في الحقيقة الموت هزيمة لنا، هزيمة لنا نحن الأحياء فقط لا غير.

- " كنا نمسح دموعنا ونقول : "لايهم حين نكبر سنكسرهم أيضًا
إلا أنهم وحينما تأتينا الفرصة المناسبة ينكسرون من تلقاء أنفسهم " #عماد_أبو_صالح
ينكسرون ويتركونا ننازع أنفسنا ، نتخبط ، يقتلنا التفكير ، فنحن أيضا ننكسر معهم تماما فنمسح دموعهم بقلوبنا الممزقة !

- " فينا نحمل الصخر فوق الجبل ونرميه ونعيد ونعيد ونعيد "
" فينا نفتح عينينا لما يرموا فيها تراب ، قلن لسا شايفين "
" فينا نقاوم ليهلك الخيال اللي حاربناه ، قلن لسا صامدين "
" فينا نرفض نأكل بعض لو الناس شافت عضامنا، قلن مش جيعانين "
كلمات تخلد لـ #مشروع_ليلى
الجملة الأخيرة كتبت على صورة لأحد رجال الشرطة وهو يمسك هراوته، الصورة مزيج من الألوان الخافتة ، واصبحت متداولة كصورة cover ، تلك الأغنية تبعث في حماس غير عادي عندما تستفحل الأمور ، تلك الأغنية لو طلب مني وضعها خلفية لحدث ما فهو عندما تمكن زميلنا المعتقل من أداء امتحانات هذا العام. لم استشعر حلاوة وسط هذا التخبط واليأس كهذا الحدث. إن كان حمل الصخرة مرة بعد مرة هو عقاب سيزيف الأبدي فأنا أرى إنه طوق النجاة الوحيد لنا كنوع من "المقاومة"

- "أفضل دليل علي أن الموسيقي ليست من جوهر إنساني بأي شكل من الأشكال هو أنها لا تبعث أبدا علي تصور الجحيم!" #اميل_سيوران
الموسيقى كانت تحدي الصمت ، خلفية جميع الأوقات ، لساعات وساعات وساعات ،
شعور ببهجة متسللة ، ليس هناك شعور لاذع بحزن أو فرح مسيطر ، كاسترسال لطّيف خفيف .
في فيلم Amadeus الذي يحكي قصة حياة موتسارت
يخبرنا انه:
" أكثر من صوت يتحدث في مسرحية ما في وقت واحد يعد ضوضاء أما بالموسيقى ، الموسيقى وحدها يستطيع أكثر من عشرين شخص أن يتحدثوا في وقت واحد ويصبح هذا الإنسجام التام "
فقط الموسيقى لا يمكن استيعابها ، الموسيقى تسمو فوق الفرح والألم.

السبت، 21 ديسمبر 2013

وعل في الغابة .. رياض الصالح حسين

القصايد دي لازم تخلد وكل الناس لازم تعرفها :)

شارع

هذه مدينة مليئة بالشوارع
شوارع مفتوحة
تؤدي إلى جميع الجهات
لكن، اسمعني، أرجوك
حياتنا مغلقة
و الشارع الوحيد العادل
ذلك الذي يأخذني إلى قلبك

الجدار
مثلما يمكن أن تصنع
من غصن الشجرة الأخضر هراوة
 و من زجاجة الكازوز الفارغة
أداة جارحة
مثلما يمكن أن تصنع
من الغرفة الأليفة زنزانة
و من الشارع الواسع مسرحًا للقتل
مثلما يمكن أن تكتب رسالة تهديد
بالقلم نفسه
الذي كتبت به رسائل الحب
و تستطيع أن ترسم مشنقة
بالريشة نفسها
التي رسمت بها طفلاً يضحك
و طائرًا يطير
و راعيًا يغني
هكذا تمامًا..
يتحوّل بعض البشر إلى جدران

قاسية و كتيمة كما ينبغي
جدران تستطيع أن تدق
مسمارًا فيها
أن تضع عليها الصحف
و الأواني
و الكراسي الخشبيّة
أن تفتّتها بالفؤوس و المطارق
لكن من المتعذر تمامًا
أن تقول للجدار: يا صديقي
فيرد عليك: يا أخي
نتفق أو لا نتفق

نحن متفقان:
الحياة جميلة
و الناس رائعون
و الطريق لم تنته
و لكن انظر إلي قليلاً
فإنني أتألم
كوحش جريح في الفلاة
نحن متفقان إذًا
الربيع سيأتي طبعًا
و الشمس ستشرق كل صباح
و في الصيف سيجني الفلاحون القمح
الربيع يكفينا
و الشمس ايضًا
و القمح إذا أردت
و لكن قل لي:
لماذا يملأ الدم
غرفتي و سريري و مكتبتي؟
و لماذا أحلم دائمًا
بطفل متطاير الأشلاء
و دمية محطّمة
و رصاصة تئز؟

غداً

عشرة آلاف غد
خرجتْ من حياتي البارحة
و ما زلت أقول غدًا..
غدًا تأتي الغيمة
و تبلل القلب المعطوب
غدًا يمد النهر أصابعه
و يربت على كتف عطشي
الغد يتحول إلى “اليوم”
اليوم يصير “البارحة”
و أنا أنتظر بلهفة
الغد الجديد

حتى الذئاب

عندما تكونين حزينة
يحزن معك النهر و الزورق
أشجار الصفصاف و الدوري الرمادي
الجبل و مصباح الغرفة
الستائر و ضوء الشمس
القلب في الصدر
و السمك في الأنهار
و حتى ذئاب البراري المتوحشة
حتى الذئاب
تدفن رؤوسها في الرمال و تبكي

تغيير

يرمي ثيابه في البئر
يرمي كتبه و خاتم الزواج
يرمي ماضيه المريض
و حاضره الخائف
يرمي أغانيه القديمة
و أصدقاءه المنافقين
يرمي كل ما تطاله يداه
من أوراق و مذكرات
من أفكار و دمى
يرمي بئر حياته في البئر
يرمي دماغه أخيرًا
و يستدير
نقيًا و أبيض و سهلاً
الآن فقط
يستطيع أن يقول: أحبك


العاشق
اعطِ القناص رصاصًا
و انتظر بضع دقائق
فسيملأ الشوارع بالجثث
اعطِ النجار خشبًا
و انتظر بضعة أيام
فسيملأ البئر بالنوافذ
اعطِ الحداد حديدًا
و انتظر بضعة أشهر
فسيملأ البراري برجال يشهرون السيوف
اعطِ البستاني بذارًا
و انتظر بضع سنوات
فسيملأ الصحارى بالأشجار
أما العاشق
أما العاشق
فلا تعطه شيئًا
ففي قلبه ما يكفي الدنيا
من السيوف و النوافذ
من الأشجار و الجثث

الراية
انظروا إليه
انظروا إليه فقط
لقد تفسخ جسده
منذ زمن بعيد
و ما زال يحمل راية الحرية

حياتنا الجميلة
الحياة حلوة
يقول العصفور
و يرتمي ميتًا قرب حذاء الصياد
الحياة حلوة
تقول الوردة
و ترتمي ميتة في يد الولد الوسيم
الحياة حلوة
يقول
و يطلق على رأسه النار
الحياة قبيحة، كريهة، فاسدة، شريرة
يقول الطاغية
و يقضم قطعة من البسكويت
............

"كانا اثنين
أهدته قلمًا للكتابة
و أهداها حذاء خفيفًا للنزهات
بالقلم كتب لها: "وداعًا"
و بالحذاء الخفيف جاءت لتودعه"
..........

"كان عليه أن ينظر مرة ثانية
وبعمق شديد
ليرى عينيه الضاحكتين الودودتين
تسخران من كل هذا الخراب"
.........
دائما

أنا الهواء في رئتيك
و الأزرار في قميصك
أينما كنتِ ستجدينني
براحتيَّ الدافئتين
و قامتي القصيرة
أنتظرك على الرصيف
أنتظرك في العمل
أنتظرك فوق السرير
واثقًا بأنك ستأتين
لأنني معك دائمًا
أخلط أيامك بالقُبل
و دمك بالأزهار
أنظر إليكِ من سمائي كإله
و أرفع يدي طالبًا مغفرتك

أنا صرخة الألم في حنجرتك
و الأغنية الجميلة التي ترددين
أنظر إليك من البعيد
و أخاف أن ألمسك
و حينما أمسك يدك
لا أستطيع أن أبتعد عنكِ

حيوانك المدلل أنا
و هوايتك المفضلة
بلادك النائية
و مستقبلك القريب
بقدميّ الحافيتين و قلبي المرتجف
أركض معك في الدروب الوعرة

أنا الغبار من حولك
و العرق الذي يسيل من مسام جسدك
أينما نظرتِ سترينني
على الطاولة و الكرسي و المدفأة
في المكتبة و الحمّام و الباص
في الحقول و المصانع و مظاهرات الطلبة
أنمو كالأعشاب في شرفتك المشمسة
و أتدلى من سقف غرفتك كالمصباح

بأصابعي العشرة أحتوي وجهك
و بأصابعي العشرة أدفع المتاعب عنكِ
بأصابعي العشرة أعدّ لك القهوة
و بأصابعي العشرة أسندك
إذ توشكين على السقوط

أنا الوردة في شَعرك الأسود
و الدبوس في عروة سترتك
عندما تنامين
أندس بين أحلامك و لا أنام
أضحك و أبكي و أتألم
و أحارب أعداءك القساة
و في الصباح
أتدحرج مع الماء على وجهك
و أجفّفه بشفتي

أنا التفاحة التي قطفت
و الأرض التي طردتِ إليها
أنا اللوحة التي تزينين بها
جدار حياتك الأسود
و الدم الذي يسيل منكِ
حينما يطلقون عليك الرصاص

يناديك النهار فألتفت
تبردين فيرتعش جسدي
بعيني تشاهدين الطيور
و بصوتك أطالب بالحرية
أما عندما تموتين
من الجوع أو الحب
فسأحاول ألاّ أموت معك
ذلك أن الموتى
بحاجة لمن يذكرهم
و لن يفعل ذلك أحد سواي






رسالة انتحار .. فيرجينيا وولف

" إنني على يقين من أنني أرجع لجنوني من جديد. أشعر أننا لا يمكن أن نمر في فترة أخرى من هذه الفترات الرهيبة.
وأنا لن اشفى هذه المرة. أبدأ بسماع أصوات، لا يمكنني التركيز. وأنا سأفعل ما يبدو أن يكون أفضل شيء ليفعل.
أعطيتني أكبر قدر ممكن من السعادة. وقد كنت أنت في كل شيء كل ما يمكن أن يكون أي شخص.
لا اعتقد أن شخصين من الممكن أن يكونا أكثر سعادة حتى جاء هذا المرض الرهيب. لا استطيع أن أقاوم المزيد.

وأنا أعلم أنني أفسد حياتك، و أنك دون وجودي يمكنك أن تعمل. وسوف تعرف. ترى
أنني لا أستطيع حتى كتابة هذه بشكل صحيح. لا أستطيع القراءة. ما أريد قوله هو أنني مدينة لك كل السعادة في حياتي.
وقد كنت معي صبورا تماما وجيدا وبشكل لا يصدق. أود أن أقول ذلك -- والجميع يعرفه.
إذا كان من الممكن أن ينقذني أحداً فسيكون أنت. كل شيء ذهب مني إلا اليقين بالخير الذي فيك.
لا أستطيع أن أزيد إفساد حياتك بعد الآن. لا أعتقد أن شخصين من الممكن أن يكون أكثر سعادة مما كنا نحن. فيه"

الأربعاء، 18 ديسمبر 2013

هدايا الصدفة

وأنا بنضف الأنبوكس بتاعي على موقع لتعلم اللغات اسمه Livemocha
كنت مسجلة فيه من 2009 عشان أقوي الإنجليزي بتاعي وأتعلم جنبه فرنساوي وألماني كبداية
رجعت تاني الموقع دلوقتي عشان أبدأ أراجع الفرنساوي، لأني بقيت مهتمة جدا اني أتعلم اللغة دي عشان أفهم أغاني داليدا ولارا فبيان وخوليو اجلاسيوس اللي هبلوني ..
لقيت رسالة كان بعتهالي شخص اسمه د/ روي .. أنا حقيقي مش فاكراه ابدا ولا فاكرة ليه هو بعت الرسالة دي لما قريتها صدفة غير لما قريت الطلب اللي أنا كنت بعتاهوله انه يديني نصيحة عشان أقوي الإنجليزي بتاعي بسرعة خاصة المحادثة ..
الرسالة حقيقي جميلة جدا والنصيحة هايلة ، اتبسطت بيها جدا وأكدتلي معنى صديقتي قالتهولي لو انتِ عايزة تتكلمي لغة معينة كل اللي عليكي هو انك تتكلميها وخلاص وما تركزيش على الأخطاء ومع الوقت هتتقنيها

ده نص الرسالة  :
From:
To:
Sent Date:
Dec 4, 2009, 8:25 pm
Subject:
Re: thank you
Message:

I don’t want you to be more careful, I want you to be less careful! Confidence in speaking any language comes from taking the risk that you might not speak a language perfectly, but we speak anyway. Risking that we may not be perfect is truly confidence. Speaking more than one language is not about attaining perfection, it’s about taking the risk to learn something new. Think of your language skills as second to no one. Think that you will eventually figure out or get the idea of what you hearing or saying. You don’t have to understand every word being said. Remember as you speak a new language you become comfortable with it, more and more each day.

Great people exchange ideas, average people exchange solutions, people who are neither thinking or unable to care about anyone, enjoy criticizing harshly the rest of us. So, right or wrong, speak and then speak some more! Your friend, Roy

أسبوع اسكندرية

أنا مش عارفة اكتب عنه ايه بس هكتب للتوثيق ليس إلا.
كنت مستنية من أول ما خدت الأجازة اني أسافر اقعد عنده شوية أفك وأغير جو وطبعا كالعادة كل حاجة بتمناها لازم لو حصلت تحصل بطلوع الروح، بحس اني بس اتمنى عشان تبدأ المشاكل تقف في طريق الحاجة اللي بتمناها وسقف تطلعاتي يبدأ يقل يقل لحد لما يبقى في الأرض وفي الأخر أرضى باللي ممكن احصل عليه واحاول أحصل على بعض البهجة من الباقية المتبقية !

طبعا الخناقة الكبيرة مع بابا يوم السفر بالظبط وانه منعني أسافر، وطبعا الخناقة دي كانت لازم تنتهي بالقطيعة بيني وبينه اللي كالعادة هتبقى فترة كبيرة جدا ربنا اللي يعلم هتخلص امتى وازاي، وطبعا من غير أي جانب مني كمحاولة لإنهائها لأنه بكل بساطة دي الإنتصارات البسيطة لكرامتي اللي بحس فيها بأني فعلا قدرت أخد حقي بما اني لسه ما واجهتش تحدي سلطة أكبر يقع عليّا مباشرة وأجرب نفسي هتصرف إزاي، ودي طبعا واحدة من الأسباب اللي بتخليني طول الوقت بترقب شكل المواجهة مع السلطة الأكبر اللي هتتحكم فيّا وازاي هقدر أقاوم وهصمد لأمتى وهأخد حقي ولا لأ ؟!

سافرت ممنية نفسي بآمال كبيرة لخروجات وفسح
ظبطت مع صاحبتي اني أحضر فيلم Amadeus في مكتبة أسكندرية تبع NeuroCinema هيشارك في مناقشته دكاترة Psychiatrists من الكلية
الفيلم كان مدته 3 ساعات قعدت اتفرج عليه متواصل من غير أي فواصل، حقيقي كنت مستمتعة بيه جدا وكنت متاخدة بشكل كبير بشخصية كل من موتسارت وسيالري ، والممثلين اللي أدوا أدوارهم حقيقي كانوا عباقرة. كنت متوقعة بعدها مناقشة ثمينة بس للأسف خيبت آمالي أو أقول كانت عكس توقعاتي !
في الوقت ده بدأت النوة، الحمدلله عدى اليوم بسلام وخلص اليوم الأول عشان ينذر بنوة عبارة عن كتلة من التلج على مدار 3 أو 4 أيام، يعني مقيمة في البيت لحد لما يتحسن الجو، يعني الأسبوع اللي كنت ناوية أخرج وأفك فيه اتضرب بالجزمة !

عدى تاني يوم مقيمة في البيت، اليوم التالت، اليوم ده كان صدفة لحاجة عرفتها من تدوينة شخصية "لإسلام يوسف" على مراجعته لأحد أجزاء " رباعية الأسكندرية" لـ "لورانس داريل" عن انه كان بيروح يتفرج على الفيلم اللي بتعرضه سينما "المركز الثقافي الفرنسي" في شارع النبي دانيال وبناءا عليه كان عندي عزم اني اروح استكشف المكان في وقت ما بس ما كنتش مُهيأة للفرصة دي!  اننا نمشي جنب شارع النبي دانيال واروح اسأل عن المركز وكمان ألاقي ورقة بالفاعليات بتاعتهم اللي يطلع من ضمنها فيلم " Sport des fillles " اللي هيتعرض تاني يوم الساعة 7

وقتها عرفت تاني يوم هنروح فين، هننزل نتفرج ع الفيلم طبعا، قعدنا نتراهن ان الفيلم مترجم ولا لأ، أنا كان عندي يقين إن الفيلم مترجم ، بس انا كان يقيني نابع ان الفيلم معروض للكل فأكيد هيراعوا حساب الناس اللي جاية من برا المركز  فهيكون ع الأقل فيه Subtitles انجليزي، وبناءا ع كده عملت رهان وتأكيدات وتطمينات وخلافه :))

نزلنا قبل الفيلم بساعتين، أول ما نزلنا عند مكتبة أسكندرية حسيت بشدة اني عايزة أقعد في "ديوان" بحس براحة في المكان ده ، ده مكان أقدر أقول اني بنتمي ليه لما بقعد فيه.


رحنا الفيلم متأخرين ربع ساعة بس لقينا لسه الفيلم ما اتعرضش لمشاكل تقنية حسينا انا الحظ حالفنا، قعدنا نستنى
الفيلم فعلا باظ وما اشتغلش فشغلوا مكانه فيلم اسمه " Quelques heures de printemps " مش مترجم ! طبعا انا طور الله في برسيمه ومفهمتش ولا كلمة، بس أكتر حاجة جذبتني للفيلم انه صامت بمعنى ان بس كلام الممثلين، صوت خطواتهم، شربهم، فتح الباب وقفل الباب وكده، ووقت لما الممثل كان بيقابل البنت اللي بيحبها كان فيه Soundtrack بيشتغل رائع جدا ، شدني بشكل مش ممكن وده كان شغال مع بداية الفيلم خالص مع تتر البداية للأسماء.

خلص اليوم الأخير، جاتلي خروجة مع أصحابي في الورشة، قعدنا في " الريحاني" ، على أمل اننا نأخد ورشة، قعدنا نتكلم ، بالنسبالي ده كان يوم كئيب بامتثال من أوله خالص.

لأول مرة أدير الورشة واقترح موضوع، واتناقشنا وكتبنا وقرينا اللي كتبناه. أنا لحد دلوقتي مستغربة النص اللي كتبته لأنه كان أبعد ما يكون عن إحساسي وقتها وأبعد ما يكون عن اللي كنت عايزة أكتبه، استنتجت اني كنت بهرب.
كتبت عن الصدف السعيدة والبهجة !! آه والله كتبت عن كده !!
النص كان

" لو كان للسعادة درب أو وصفة فهي الصدفة. صدفة من لا شيء تظهر فجأة تحسسك بإحساس اختلاس وقت مبهج من وتيرة مملة. السعادة وقتها أشبه بجملة اعتراضية وسط نص بايخ طويل.
لو كان الإحساس بيدوم فمتوقف على مدى قوة الصدفة دي وأد إيه هزتك، متوقف على عامل الإنتظار لشيء بتتمناه أو صدفة لشيء جديد تجربه,
نيقولا لما كتب لحبيبته المستقبلية شوكس رسالة قالها فيها :
" لو كنت أنا يا شوكس سأكون كما في الأحلام السعيدة "
شوكس حط نفسه جوا حلم، طفل عنده 11 سنة اختار انه يكون في حلم سعيد، بحاول اتخيل شكل حلم سعيد بالنسبة لطفل في سنه عامل ازاي ؟!

شيء خفي بيربطني بالأسكندرية، بالمكان، لما قريت "وجوه سكندرية" لعلاء خالد خلصت بعدها بجملة بترن في وداني بتقول " الأسكندرية كأنك على موعد مع الحب ! "
مدينة بتعود بيا لحنين غريب لزمن ما عشتهوش بس بيملأ الجو بعبق أشبه بحنين لجزء من نفسك المفقودة، المدينة بترجعك ليه.
أنا بيربطني بأسكندرية برضه عامل صدفة حتى لو كان فيه أسباب منطقية على السطح.

صدفة أنا ووسام على كونيش اسكندرية في النوة ..
الصباحات المبهجة ما هي إلا صدفة !
صدفة في سياق تشبه ترتيب القدر بس الأجمل لو آمنت إنها بمنطق العبث، صدفة تعثرت فيها فانتبهت فأختلست قدر من البهجة ! "

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

2013 . .

ليلى الجهني

" هذه هي حياتي: طويلة وثقيلة وغير مكتملة لأنّي لم أمت بعد، لكنّها ناضجة. ربّما كانت سيئة أحيانًا، لكنّ ذلك لا يعني أبدًا أنّني كنتُ سيئة. كنتُ أحاول، وقد فشلتُ في مرّات وسأفشل، ونجحت مرّات وسأنجح، ولعل أكثر ما أفكر فيه الآن أنّني دافعتُ الأذى، لكنّني حاولت جاهدةً أن لا أُدافعه بالأذى. أتأمل وجهي، أتأمل عينيّ خاصة؛ فأشعر بوخزة من عرف ما لا ينبغي له أن يعرفه، لكن لا مناص من أن أمضي، سواء عرفت أم لم أعرف. وهذه الكتابة ليست في مديح ما مضى، بل لفهم معناه، ولن يفهم معناه سواي. لن يفهمه أحدّ كما فهمته وسأفهمه أنا، لأنّ أحدًا لم يعشه سواي بكل ما فيه من إنجاز وفضل وفرح وأسى وعفو وغضب. "

أثير عبد الله النشمي

"
بعض الذكريات عندما تقفز في ذاكرتنا، وبعض "الماضيين" الذين يظهرون فجأة في حيواتنا بين الحين والآخرة، يجعلوننا نبتسم لا سعادة ولا تهكما، بل لأن شيئا ماضيا جميلا، وأحيانا مرا، زارنا في وقت لم نتوقع فيه أية زيارات من الأمس البعيد "

"
بعض الاحداث والحوادث التي نمر فيها تعيد تشكيل حياتنا من جديد, نشعر بعدها وكأننا ولدنا أشخاصا آخرين أشخاصا لم يعودوا يشبهون أنفسهم "

" أعرف اليوم بأننا لا نودع الحزن إلا لنستقبل آخر . . بأن السعادة ماهي إلا فاصل زمني يفصل بين الحزن عن الحزن الآخر . . وبأن الحياة لئيمة ، لئيمة جدا مع الأذكياء . . وكأنها تعاقبهم على محاولاتهم لفهمها ولسبر أغوارها ! . . تعاقب الحياة الأذكياء والباحثين عن أسرارها فقط . . لا تقسو الحياة على غيرهم . . تحنو هي على كل البسطاء والسطحيين ، تترفهم ، تدللهم . . ولا ترفض لهم طلبا أبدا لأنهم لم يجروؤا يوما عليها "

" الموسيقى حالة لا تفهم .. لا تفهم!.. حالة تجعلنا نشعر بكل ما يمكن أن نشعر به.. الموسيقى تجردنا من كل ما هو مزيف .. تزيل فينا التزيف، التدليس والبهرجة الكاذبة .. الموسيقى حالة من حالات الخلق الإنسانية كالكتابة تمامًا "

" أنا رجل لايخاف الموت.. لكني احترمه ، احترمه أكثر من أي امر آخر .. احترم غموضه ، هيبته و وقاره الذي لايضاهيه وقار ! وقور هو الموت بحضوره، بموته بسواده، بصمته وبروده .. وقور هو بكل مافيه "

" بعض المقطوعات برزخية بلا أدنى شك، عندما تستمع إليها تشعر بأنّك عالق في مساحات ممتدّة النهايات حتى لا تنتهي "


أميل سيوران


" أفضل دليل علي أن الموسيقي ليست من جوهر إنساني بأي شكل من الأشكال هو أنها لا تبعث أبدا علي تصور الجحيم!
إنها الفن الوحيد الذي يضفي معني علي كلمة المطلق، إنها المطلق معيشا لكن عبر وهم كبير، لأنه يتلاشي مع عودة الصمت"

"
الاتصال الحقيقي بين الكائنات لا يتم إلا من خلال الحضور الصامت، من خلال اللاتواصل ظاهرياً ، من خلال التبادل الغريب، الخالي من الكلمات، و الذي يشبه الصلاة الداخلية "

أطول رسالة في العالم

"
لو كنت انا يا شوكس سأكون كما في الأحلام السعيدة "

حسين البرغوثي


" الحزنُ ضعف، ولو صرت به شبه إله. والشعورُ بالذنبِ ضعف، ولو صرت به قديساً. والشفقةُ على أيّ شيءِ وعلى نفسك ضعف، ولو صرت بها مسيحاً "
" في كل ذهن تسبح الأفكار و تبقي نتف، بين الفكرة الأولي و بين الفكرة الأخري هناك الكثير لكي يكتشف، و من هذه الكلمات شعرت أن روحي التي كانت تشبه كتلا متراصة، صارت غربالا انفتحت فراغات بين كل فكرة و أخري، و كأن ذهني صار جزرا صغيرة متباعدة في محيط أزرق مشمس، بين الجزيرة و الأخري معارف لا نهائية غير مكتشفة، و شعرت أن كل ما أعرفه لا شئ، مقارنة بما يمكن أن أعرفه "

" ورجعت لبودابست .. قبل هذه الزيارة كنت أحن إلى وطن وبيت وبقاع في الذاكرة تشكل مرجعية لي في المنفى والمتاهات، إلى شيء ثابت دائم لا يمكن أن يتغير أو يتم فقدانه. كنت كمن يعيش في بلاد مبنية على ظهر حوت فيها نخل وبحارة وأسواق وذهب وعبيد، بلاد متاهة، ولكن على الأقل ثابتة تحتها ثابت، وفجأة تحرك الحوت نحو الأعماق وبدأ كل شيء يغرف، الفكرة عن الثبات غرقت وكل عالمي صار أهوج لا سواحل له، يسكنه قراصنة على ظهر السفن "


" - أفتعرف معنى المنفى "بري" أفتعرف معنى المنفى ؟
- هذا الطفل الهش الصغير ، الدمية الحمراء ، في بطنه بحر وفيضانات مكبوحة ! "

الأحد، 8 ديسمبر 2013

كلنا تعبانين

الأفكار اللي بتجيلي قبل النوم والحوارات الوهمية اللي بخلقها مع نفسي بتخليني ما اعرفش أنام أو ادخل في النوم بسرعة، أقعد أفكر وأفكر وأفكر وبعدين أصحى من النوم تاني يوم ببقى مش عارفة أنا امتى تحديدا رحت في النوم.
مؤخرا نومي بقى مضطرب جدا، أغلبه صداع وافكار حية بتدور في دماغي كأني صاحية بالظبط، أي صوت بيحصل حتى لو صوت التفلزيون لو حد معدي في الشارع لو ماما بتتكلم برا بقى كفيل انه يصحيني من النوم بصداع قاتل.

امبارح كان فيه حوار تخيلي في دماغي بيني وبين عمي الكبير المريض بالسرطان.
حاولت ألاقي شكل لحوار ممكن يخفف عنه، أنا في الحقيقة بعجز عن اني أقول كل اللي حساه شعوريا لأني بحس اني هيبقى مبالغ فيّا او ممكن أقول كلام اللي قدامي ما يفهمنيش أو يفكرني بهرتل أو نوعية ثقافته ما تخلهوش يقدر يفهم اللي بقوله أو اللي بقوله يكون عامل تخفيف عنه لكن العكس.

كوني هبقى طبيبة فده بيحسسني بحمل كبير تجاه عمي اني لازم اخفف عنه ومش بس عمي لأ كل مريض أنا هتعامل معاه لازم أوصل لصيغة تهديه وتخليه يثق فيّا والأحرى انه يثق في نفسه كمان وإنه ايا كانت الأزمة اللي بيمر بيها سواء بمرضه أو عوامل تانية مؤثرة فهو لازم يقهرها وما يستسلمش.
تخيلتني بقول لعمي انه حتى لو مريض وفترة المرض مثلا ماكسيمام هتخليه يعيش 5 سنين، هو ممكن يتغلب على ده ممكن يتغلب على ال 5 سنين، ممكن يزودهم انه يقدر يتعايش معاه 10 سنين كمان ، 15 سنة كمان وليه لأ ؟!
ممكن يقهر الخلايا السرطانية ويجبرها تتعايش في جسمه زي مريض السكر والضغط وخلافه من الأمراض المزمنة.
حتى لو اتألم إيه يعني الألم ، الحياة معناها إيه اصلا من غير ألم ، احنا أوجدنا بألم وعايشين في ألم وهنغادر في ألم. فايدة الطب دلوقتي انه أوجد مسكنات وعلاجات للألم ده بطرق مختلفة تقدر تخلينا نقاوم ونحب وجودنا حتى لو بالألم ده.
لسه قدامه كتير يضحك كتير، ويفرح كتير، ويلم حبايبه حواليه، يخرج يشم طهارة الصبح، يسافر مكان بيحبه، يسترجع ذكريات تعينه أنه يحب الدنيا ويحب نفسه ويبقى أكبر تحدي ليه دلوقتي انه يفضل عايش، احسن منحة أوجدت لإنسان هي "الحياة"

تخيّل وجودنا لو احنا في الكون الكبير أوي أوي أوي ده لوحدنا ! معنى كده اننا معجزة ربنا، حياتنا ووجودنا معجزة ربنا في الوجود
واحنا غاليين أوي وقدراتنا تفوق أضعاف أضعاف اللي احنا متخيلينه على نفسنا.
 جميل ان احنا نفكر لو متوسط حياتنا مثلا 70 سنة ، 60 سنة فده قصاد العمر الكوني ولا شيء ، لا يحسب على الإطلاق
بس جميل اننا اقتطعنا الفترة دي ، ودخلنا النغم وعملنا ذبذابتنا الخاصة،  جميل اننا عملنا لحياتنا قيمة ، جميل اننا أوجدنا وموجودين !

تخيلتني بوصل مريضة فرضا تعمل أشعة وماشية معاها وهي بتتألم وحزينة، حاولت افتح معاها كلام واخفف عنها واقولها انها هتبقى زي الفل امال هي جاية تتعالج ليه وفايدة العلاج ايه ؟
أحلى حاجة انها تواجه الألم بضحكة صافية وقلب شاكر نعمة ربنا في السراء والضراء، ولازم تكون واثقة انها هتخف وهتكمل حياتها تاني عادي والألم فترة بسيطة جدا قصاد حياة تانية أجمل مستنياها، والألم ده شيء طبيعي .

بتخيل دايما ليه الناس بتفترض ان الألم شيء استثنائي المفروض ما نحسش بيه مع ان حياتنا كلها معاناة وأسسها الألم وده اللي بيخلي حلاوة أي حاجة في الدنيا بتكون بعد مرور أي أزمة والناس بتبدأ تدرك قيمة اللي عندهم وقد ايه حتى لو بسيط فهو غالي وغالي جدا ويستحق اننا نتمسك بيه لأنه أكيد أحسن من الصعب اللي جربوه.

الحياة الأخرى للأشياء الصغيرة

علاء خالد

مرة أخرى تجد أن العلاقة بين الصغر والأحجام الصغيرة الذي يسم الطفولة والكِبَر والضخامة النفسية الذي تراه به العين عندما تمر السنوات، هذه المفارقة التي أنضجها الزمن، هي الحياة الأخرى للأشياء الصغيرة، الحياة اللامرئية التي لم ندركها حينها لضعف بصيرتنا ولأننا كنا منجذبين أكثر لإحساس أعم، احساس السجن والملكية.

خطأ مكرر، تفاوت في الزمن والحجم والمسافة، عبر هذا التفاوت ينشأ الحنين والخوف من الموت والرفض. تلك الوحدات البسيطة لقياس الحياة وفي نفس الوقت غير قابلة للإلغاء. استمرارها الأبدي يجعل الرغبة ملحة في اكتشاف تلك الحياة الأخرى التي تنشأ من هذا التفاوت، من هذا الصراع.

الكتابة تعيش عل مكانية هذه التفاوتات، على تبديها الأشياء في لحظة صدامها، في لحظة استقرارها، في لحظة موتها. المهم أن تكون لحظة فارقة تجمع على مائدة واحدة الحاضر والغائب. من يملأ المسافة بين إيقاعنا الشخصي وإيقاع الحياة، بين ذاكرتنا التي تراكم وذاكرة الحياة التي تحذف !

الجمعة، 29 نوفمبر 2013

فانتازيا الثورة

" فينا نحمل الصخر فوق الجبل ونرميه ونعيد ونعيد ونعيد " #مشروع_ليلى
هو ده احساسي ناحية الثورة تماما ، الثورة بالنسبالي بعد السنتين دول أصبحت محاولة لعدم الفهم أو الإدراك ، الثورة بقت حالة من العشوائية والعبث اللذيذ جدا ، حالة فانتازيا وسرعة في تغيير الأحداث بحركات من المد والجزر ما أعتقدش حاجة تقدر تساويها غير احداث تتم بصورة قدرية بحتة الإنسان مش متوقعها إطلاقا فتكمن عنصر المفاجأة قصاد قوة تحمل الإنسان !

هي حالة لا يحكمها أي منطق ، ولا أي فعل إصلاحي بالمناسبة بطريقة قابلة للتنفيذ بشكل واقعي إلا لو فعلا الثورة امتلكت قوة التنظيم والإطاحة التامة للعناصر الفاسدة وهي في الحقيقة لا تملك ده إطلاقا لا دلوقتي ولا في الكام سنة اللي قدام حتى ، هي دلوقتي بتمر بعملية هدم هدم هدم هدم ، امتى البناء الله أعلم !

لو فيه عامل واحد بيشعل الأحداث ويضفي عليها صورة "هو ده الشباب الثوري الطاهر" _اللي بقت كليشيه دلوقتي بالمناسبة_ هي حاجة فعلا تستحق وصف الطهر ألا وهي البوصلة الإنسانية / الأخلاقية ، دي دايما الدفة أو الوجهة اللي بيولي الشباب شطرها ، كل اللي بيملكوها عوامل رفض ، حالة رفض لعدة ممارسات وقيود واستنزاف لحياتهم من قمع وقهر وخلافه.

أشخاص محددين فقط اللي ظبطت بوصلتي عليهم والحمدلله ظني لم يخيب إلى الآن، في الإحساس الإنساني والتضامن ده شيء مفيش فيه مناقشة بس كطريقة تفكير قلة هم اللي قدروا يوازنوا صح وحددوا أولوياتهم.
كان عندي إحساس غريب وأنا بشوف مظاهرات الإخوان ورابعة الصمود ومعنديش انتقاد ليهم طالما مستعدين يدفعوا تمن أفكارهم زي برضه ما كانش عندي انتقاد لأصحابي المتضامنين معاهم ضد الإنقلاب عشان كل الإنتهاكات الرهيبة ضد "الإنسان" اللي هو أرخص حاجة عند النظام.
هنا لقيت حد فاصل تاني بينا وبين جيل أهالينا ، أهالينا عندهم القدرة على الكره التام والحب التام بدون أي مواربة أو مرونة في تفكيرهم ومعنهدومش استعداد في اي لحظة انهم يعملوا لنفسهم نوع من المراجعة وبيزيد على ده حدة انهم عارفين اكتر مننا واننا لسه ما شوفناش حاجة !
يعني كرههم للاخوان واضح وصريح بدون اي شفقة أو رحمة على أي فرد واحد فيهم، وأمنيات الإبادة الجماعية ليهم صادقة لأبعد حد في قائمة الأمنيات. جيل اتجرع مرار طويل وكلمة أمل على مشارف انتهاء خط العمر الطويل يخلي وقع الكلمة ذاته ينفي احتمالية وجودهم لما يتحقق. فالقاطعية في الحكم بقت سمة أساسية لإثبات الوجود من غير مهادنات. "أنا رأيي كده ورأيي هو الصح أنا إذا موجود ! "
على عكسنا برغم اننا شهدنا وزامنا تماما خسة الإخوان وتضيعهم للثورة كاملة مكملة، وهم والنظام وجهين لعملة وسخة إلا اننا مازال عندنا مرونة وبراجماتية في التعامل وشايفين ان فينا أمل اننا ممكن نوصل لميناء سلام .
ما بنتكلمش بقطعية وبنمشي على كل أطياف الألوان وأنا شايفة ان ده مش رعونة في التفكير وإصدار الأحكام النهائية اللي هيخلينا أنضج، أنا شايفة ان ده طابع فينا في الوقت ده اننا لسه قلبنا أخضر حي ، لسه فينا حلم وأمل والمرار اللي بنشوفه بيخلينا نعافر ما ننهزمش.
" فينا نفتح عينينا لما يرموا فيها تراب " أيوة احنا كده
" فينا نرفض نأكل بعض لو الناس شافت عضامنا قلن مش جيعانين "

احنا هنفضل عاملين زي العيل الخيبان بس نفسه يتعلم، هيروح يأخد في الإمتحان الأول 5/10 بعدين يذاكر أكتر يبقوا 7/10 بعدين 8 ، 9 لحد لما يجيب الـ 10/10 أيوة هنجيبها أنا واثقة من كده حتى لو بقيت مكحكحة وسناني واقعة هطلع التدوينة دي واقراها تاني وهقول لنفسي أنا كنت صح :)

الثلاثاء، 26 نوفمبر 2013

بلال علاء قال كله


أظن إني في طريقي لمغادرة مدونتي للأبد، بخفوت ما كان يمكنه أن يصنع سرابا ما،
لا يمكن لبدايات الدروب المتخيلة أن تكون جميلة، وبالوقت لا يعود ممكنا إجبار النفس على آمال البدايات، لا تعود البدايات المستأنفة جميلة، من فرط تكرارها، بالوقت ، لا يعود ممكنا مراوغة حقيقة أن الدرب لم يعد في بدايته،
لقد أثقل القلب، بمحاولاته لوصل ما لم يتصل، السرابات المترسبة فوق القلب،ومعها آمالها الخاصة، لا تترك براحا لأي إدعاء بالخفة، كما وهو الأساس،
لم يعد ممكنا الاستمرار فيما يضر الآخرين، أو يؤذيهم، أو يولد عندهم شعورا بالذنب، وإن كان ثمة من عزاء، فهو أن بداية الدرب، لم تبنأ بهذا أبدا، أن ينتهي كل شئ، بوطأة ثقيلة تكاد توقف القدرة على التنفس، وطأة السعي بوصال، لا يبدو أنه ترك أثرا سوى خليطا من العطف والأسي والإحساس بالمحاصرة وعقدة الذنب والعجز عن التفلت عند الآخرين ، لم يكن مفترضا لهذا أن يسبب الأذى لأحد،

لقد حاولت خلط هيستريتي بنوع من العقلانية الجافة، عل المشهد في النهاية لا يكون هيستريا جدا، فلم يخرج إلا مشهد لمجنون يعرف أنه مجنون، يقفز من سور مصحته، ويسير وسط الناس، مرتبكا ، ومحاولا في الوقت نفسه الظهور كشخص مبالغ في الجدية، فلا يمكنه سوى أن يكون هزليا بشكل شديد الجدية،
وإن كان من تقدير للنفس في هذا كله، فأعتقد أنني كنت شخصا مثابرا بشكل كبير، عاملا بالنصائح، وحين أبحرت لإيثاكا تمنيت من كل قلبي أن يكون الدرب طويلا، وإلم أعد أعتقد أن الوصول إليها قدري، وإن كان ثم من وسيلة للعمل ب"لتكن إيثاكا في روحك دائما"، فهو الاحتفاظ بها كأمل مغلق على نفسه، أمل بلا نهاية، أمل تجريدي بلا رحلة، لقد آن وقت الانتقال من اليأس المتخفي في ثياب أمل مقاتل، إلى اليأس العادي، التافه، غير الطموح، وغير المتهكم، لعل ذلك لا يؤذي أحدا ..

عندما تتهيأ للرحيل إلى إيثاكا،
تمن أن يكون الطريق طويلاً،
حافلاً بالمغامرات، عامراً بالمعرفة

لتكن ايثاكا في روحك دائماً.
الوصول إليها قدرك.
لكن لا تتعجل انتهاء الرحلة.
الأفضل أن تدوم سنوات طويلة
وأن تكون شيخاً حين تبلغ الجزيرة
ثرياً بما كسبته في الطريق،
غير آمل أن تهبك ايثاكا ثراءً.

إيثاكا منحتك الرحلة الجميلة.
لولاها ما كنت شددت الرحال.
وليس لديها ما تمنحك اياه أكثر من ذلك.
حتى وإن بدت لك ايثاكا فقيرة،
فإنها لم تخدعك.
ومادمت قد صرت حكيما، حائزاً كل هذه الخبرة،
فلا ريب أنك قد فهمت ما تعنيه الايثاكات.
#كفافيس

السبت، 23 نوفمبر 2013

عن المشاركة

لو بحب حاجة فأي حد يقدر يميزها جدا من شغفي وحبي ليها، لو فيه حاجة مميزة عندي فأكيد درجة استمتاعي بيها مالهاش حدود.
أغلب الحاجات اللي بحبها بعملها لوحدي، وأغلب الحاجات اللي بحبها اتعودت انها ما ينفعش تكون غير لوحدي في مساحتي الخاصة اللي على أدي، ما أعرفش يا ترى ينفع فيها إحساس المشاركة ولا لأ .
لما بقرأ كتاب، لما بسمع موسيقى، لما يمسني إحساس ديوان شعر معين وابقى speechless مش عارفة احكي عن حالته ولا اوصفها بس سايبلي حالة غامضة ومزاج متغير تماما، بيخليني أدور على عوالم تانية بعيدة جدا عن واقع سيء جدا قاتل لكل حلم وحياة قاسية على أي خيال.
فيه ناس معينة ببقى فرحانة لما اشاركهم حاجة بحبها وخاصة لو حاجة قريتها. القراية اتخطت عندي من كونها معرفة او كتاب بيتقرأ لمعلومة، لما بقرأ كتاب كأني بعيش حياة تانية، بتنفس مع الكتاب ، دماغي بتخلق عالم كامل تاني لحد آخر صفحة فيه، وبتبقى من اللحظات المحبطة لما اخلص كتاب مستمعة بيه عشان خلاص عارفة اني علاقتي بيه انتهت هنا وصعب اني اعيد قرايته تاني وحتى لو قريته تاني بيبقى انتهى الشغف والإنبهار ولحظات فض البكارة الأولى عن العوالم السحرية اللي بخلقها في دماغي.

لما بقرأ كتاب بنفعل معاه بكل حواسي وبنفصل عن العالم الخارجي لدرجة بتوصل اني ممكن اصرخ، اصقف، أعلق بصوت عالي أو لو كتاب وحش اني اشتم الكاتب وارمي الكتاب في الحيطة ! بتخيل مين اللي ممكن اقدر اشاركه لحظاتي الخاصة جدا دي ؟!
مين هيبقى عندي الشغف اني امسك سماعة التليفون وأكلمه احكيله عن الكتاب ده ، أو عن أفكاري ، أو عن خيالي ، أو ولعي بالناس اللي حالتهم وصلت للحالات الـ extremes في الدنيا !
مين هيتقبل حبي للمنتحرين، وللمرضى النفسيين، ونظرتي للمرض النفسي مش انه مرض لأ ده مرحلة البرزخ بين الواقع واللاواقع ، المعقول واللا معقول وان المريض النفسي عايش في فانتازيا الحياة ، كأنه مسته لحظات كشف خلته يشوف اللي احنا مش قادرين نشوفه ، حتى لو كان هوسه بالخوف والرهبة فكأنه اتطلع على احدى بوابات الجحيم !!

مين هيهديني كتاب ؟! او اسطوانة لمقطوعة موسيقية ؟! أو لوحة فيها تفاصيل كتير ؟! ما بحبش الصور الصامتة اللي احساسها بيبقى مبهم من اللحظة الأولى ، أحب تكبير التفاصيل واشوف كل عالم ليها ودرجة اتصاله/انفصاله عن العناصر التانية في اللوحة
مين مثلا ممكن يهديني لوحة لسلفادور دالي أو بيكاسو ؟! .. ايه احتمالية اصلا اني اعرف حد ممكن يشاركني أدق التفاصيل ويكون بيعرف دالي ؟!
بالرغم اني أهديت كتب إلا اني ولا مرة حد أهداني كتاب، إلا مرة واحدة حصلت بس أنا مش سعيدة بيها وما بعتبرهاش مرة لأنها كانت رسالة مبطنة لهدف تاني !

ايه هي مدى احتمالية اني اعرف حد يقرب من دايرتي الخاصة لدرجة المشاركة ويكون مهووس بعماد أبو صالح ووديع سعادة ؟!
أو محمود درويش ورياض الصالح حسين ؟! أو يكون بيحب السريالية وبيحب جنونهم ؟!
مين عنده المجازفة انه يشاركني لحظات مجنونة وجودي في المكان اللي انا فيه دلوقتي مقيدني ؟! مين هيشاركني ويديني حريتي كاملة ؟
مين هيسمعني في لحظات انفعالي وانا بقول خطب وما يقولش عليا مجنونة او يهاودني وخلاص ؟! مين هيدرك المعنى فعليا وهيحاول يغير معايا اللي نفسي فيه من غير ما يحبطني !

مين هيناقشني في الكون والوجود وربنا ، مين هيعلمني وينصحني واتقبل منه ده ، مين هيطمني ويتصور معايا جنة وجحيم غير الصور المادية اللي حشوا دماغنا بيها من واحنا صغيرين ، مين هيخليني افضل احب نفسي واحب الناس وما يبقاش بيني وبينهم استهجان عشان كرهت نمطيتهم ومحافظتهم وكلامهم وثوابتهم الإجتماعية المتخلفة ، كرهت ضعفهم وجهلهم وذلهم ، بيخلوني آآمن بيهم وأكفر فيهم في لحظة بس عمري ما شكيت لحظة انهم محتاجين مساعدة ومحتاجين وعي وعمري ما سبيتهم ، انا بسب الجهل وبسب المنظومة الفاسدة اللي أكلتنا وأهانتنا وشردتنا وحسرتنا على عمرنا المهدور !

إيه بقى مدى احتمالية اني ألاقي نوعية المشاركة دي في دايرتي الخاصة ؟! :)